برادة يربك البرلمان.. “النمذجة” تتحول إلى مادة للسخرية وتفضح أزمة التواصل بوزارة التعليم

هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، يجد قطاع التربية الوطنية نفسه في قلب الجدل، ليس بسبب إصلاح حقيقي يعيد الثقة إلى المدرسة العمومية، ولا نتيجة قرارات جريئة تنتشل التعليم من أزماته المتراكمة، بل بسبب تصريح مرتبك لوزير يفترض فيه أن يكون أول المدافعين عن وضوح الخطاب التربوي ودقة التواصل المؤسساتي.
فقد تحوّل تصريح وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، إلى مادة دسمة للسخرية والاستهزاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما حاول شرح مفهوم “النمذجة” البيداغوجية بطريقة أثارت موجة واسعة من التعليقات الساخرة.
الوزير قال بالحرف: “عندنا طريقة النمذجة باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير”، وهي جملة بدت للكثيرين أقرب إلى “دوامة لغوية” فاقدة للمعنى، أكثر من كونها شرحا تربويا صادرا عن مسؤول حكومي يشرف على واحد من أكثر القطاعات حساسية بالمغرب.
ولأن “فاقد الشيء لا يعطيه”، كما يقول المثل الشعبي، فقد اعتبر متابعون أن الوزير لم ينجح فقط في إرباك الرأي العام، بل كشف أيضا عن أزمة أعمق تتعلق بضعف التواصل داخل الوزارة، وغياب القدرة على تبسيط المفاهيم التربوية للرأي العام بلغة واضحة ومفهومة.
الأخطر في كل هذا، أن الأمر لا يتعلق بزلة لسان عابرة أو خطأ بروتوكولي بسيط، بل بمشهد يعكس حالة الارتباك التي تطبع تدبير قطاع يعيش أصلا تحت ضغط الانتقادات المتواصلة بسبب تراجع جودة التعلمات، واستمرار الهدر المدرسي، وفشل عدد من مشاريع الإصلاح المتعاقبة.
فحين يصبح الوزير نفسه عاجزا عن شرح مفهوم بيداغوجي بطريقة سليمة، فمن الطبيعي أن يتساءل المغاربة عن الكيفية التي تُدار بها مشاريع “إصلاح التعليم”، وعن مستوى الانسجام داخل وزارة يفترض أن تكون قدوة في التواصل والتأطير المعرفي.
ورغم أن القراءة التقنية لتصريح الوزير توحي بأنه كان يقصد مفهوم “النمذجة” باعتبارها آلية تعليمية تقوم على محاكاة خطوات الإنجاز والتعلم بالمثال، إلا أن الأسلوب المرتبك والعامي الذي قُدم به الشرح أسقط الفكرة في العبث، وحولها إلى “ترند” للسخرية بدل أن تكون مناسبة لتوضيح مقاربة بيداغوجية حديثة.
ولعل ما يزيد من حدة الانتقادات، أن هذا الجدل يأتي في وقت يعيش فيه قطاع التعليم على وقع اختلالات بنيوية عميقة، من ضعف التحصيل الدراسي، إلى أزمة المدرسة العمومية، وصولا إلى فقدان الثقة في الوعود الحكومية المتكررة حول “إصلاح المنظومة”.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام خطابا تربويا رصينا يبعث رسائل طمأنة حول مستقبل التعليم، وجد نفسه أمام تصريح مرتبك يعكس، في نظر كثيرين، حجم الهوة بين الشعارات المرفوعة والواقع الفعلي للتدبير.
إن أزمة التعليم في المغرب لم تعد فقط أزمة مناهج أو موارد بشرية أو بنية تحتية، بل أصبحت أيضا أزمة خطاب وتواصل وكفاءة في الإقناع، فحين يفشل المسؤول في شرح فكرة بسيطة أمام البرلمان، يصبح من المشروع التساؤل: كيف سيقنع التلميذ والمدرس والأسرة المغربية بمشاريع الإصلاح الكبرى؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد