في وداع إدغار موران.. اليحياوي يقرأ أزمة البادية المغربية في زمن “الفكر التقني”

هبة زووم – الرباط
تفاعل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي مع خبر رحيل إدغار موران، أحد أبرز المفكرين المعاصرين وصاحب نظرية “الفكر المركب”، من خلال تدوينة حملت أبعاداً فلسفية وتأملية، تجاوزت مجرد رثاء المفكر الراحل إلى مساءلة التحولات العميقة التي مست علاقة الإنسان بالطبيعة والبادية والحداثة.
واستهل اليحياوي تدوينته بالإشارة إلى أنه تلقى نبأ الوفاة فور عودته من البادية المغربية، حيث اعتاد الانقطاع عن مظاهر الحياة الرقمية والتكنولوجية، معتبراً أن فضاءات العالم القروي ما تزال تمنحه فرصة للابتعاد عن صخب المدينة وإيقاعها المتسارع، والعودة إلى نمط عيش أكثر التصاقاً بالطبيعة والبساطة.
وفي استحضاره لأفكار المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل، أشار إلى أن المدينة ظلت تُقدَّم باعتبارها فضاءً للسلطة والقوة والهيمنة، بينما كانت البادية تاريخياً تمثل فضاءً أكثر تحرراً من منطق النفوذ والمؤسسات. غير أن اليحياوي وجد في أفكار إدغار موران رؤية أكثر توازناً وتعقيداً، تقوم على الترابط العضوي بين المدينة والبادية، لا على التعارض بينهما.
وأوضح أن موران كان يؤمن بأن مستقبل المدن لا يمكن فصله عن مستقبل العالم القروي، وأن أي مشروع حضاري متوازن يقتضي، في الآن ذاته، “أنسنة المدينة” و”إعادة الحياة إلى البادية”، وهي الفكرة التي اعتبرها الباحث المغربي ذات راهنية كبيرة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال القروي.
وانتقد اليحياوي ما وصفه بالتدهور الذي أصاب البادية المغربية خلال العقود الأخيرة، معتبراً أنها فقدت جزءاً كبيراً من تنوعها الطبيعي والبيئي نتيجة التوسع التقني والزراعي المكثف. وأشار إلى اختفاء العديد من الحيوانات البرية والطيور والأعشاب والسواقي التي شكلت لعقود جزءاً من هوية المجال القروي، قبل أن تزيحها أنماط إنتاج حديثة تقوم على المردودية والنجاعة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، استحضر مفهوم “الفكر التقني” الذي تناوله موران في أعماله الفلسفية، معتبراً أن هيمنة المقاربة التقنية الصرفة على مختلف مجالات الحياة أنتجت تحولات عميقة مست الإنسان والطبيعة معاً، وأفرزت، بحسب تعبيره، واقعاً يفقد تدريجياً عناصر التنوع والتوازن التي كانت تؤطر العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
وتحولت تدوينة يحيى اليحياوي إلى وقفة تأملية في إرث إدغار موران، الذي ظل طوال مسيرته الفكرية يدافع عن رؤية مركبة للعالم ترفض الاختزال والتبسيط، وتدعو إلى فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية في تشابكها وتعقيدها، بعيداً عن المقاربات التقنية الضيقة التي تفصل الإنسان عن محيطه الطبيعي والثقافي.
وبين رثاء الفيلسوف الراحل وانتقاد التحولات التي مست البادية المغربية، بدا أن اليحياوي أراد التذكير بأن معركة المستقبل ليست فقط معركة التنمية والتكنولوجيا، بل هي أيضاً معركة الحفاظ على الإنسان والطبيعة والتنوع، وهي القيم التي شكلت جوهر المشروع الفكري الذي دافع عنه إدغار موران لعقود طويلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد