من تيلمي إلى تيسيلا.. طرق مهترئة واتصالات منعدمة وأسئلة محرجة للعامل فاضل حول مآل المشاريع التنموية بإملشيل

هبة زووم – محمد خطاري
لم تعد المسيرات الاحتجاجية التي تشهدها جماعة إملشيل بإقليم ميدلت مجرد تعبير ظرفي عن مطالب اجتماعية محدودة، بل تحولت إلى مؤشر واضح على عمق الاختلالات التنموية التي ما تزال تعاني منها مناطق واسعة من الجبل المغربي، رغم سنوات من الوعود الرسمية والبرامج التي قيل إنها جاءت لفك العزلة وتحقيق العدالة المجالية.
فخروج ساكنة دوار تيسيلا إلى الشارع للاحتجاج على ضعف خدمات الهاتف والإنترنت لم يكن حدثاً عادياً أو معزولاً عن سياقه العام، بل جاء ليعكس حجم الإحباط المتراكم لدى فئات واسعة من السكان الذين يشعرون بأنهم ما زالوا خارج دائرة الاهتمام الحقيقي، رغم التحولات الرقمية التي يشهدها المغرب ورغم الخطابات الرسمية التي تتحدث باستمرار عن تعميم الولوج إلى الخدمات الأساسية وتقليص الفوارق المجالية.
لقد رفعت الساكنة شعارات بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها، فحين يضطر مواطنون في سنة 2026 إلى الاحتجاج من أجل الحصول على تغطية هاتفية وإنترنت مستقرة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمشكل تقني عابر، بل يكشف عن استمرار مظاهر التهميش التي تجعل مناطق بأكملها تعيش خارج العصر الرقمي الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين.
وما يزيد من أهمية هذه الاحتجاجات أنها تأتي بعد أيام فقط من مسيرات مماثلة شهدها دوار تيلمي، حيث خرج السكان للتعبير عن غضبهم من تردي الأوضاع الاجتماعية وضعف البنيات التحتية واستمرار العزلة، وهو ما يؤكد أن الأمر يتعلق بحالة عامة من الاحتقان تتجاوز مطلباً واحداً أو قطاعاً بعينه، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول حصيلة التنمية بإقليم ميدلت، وخاصة بالمناطق الجبلية التابعة لجماعة إملشيل.
فالساكنة لا تتحدث فقط عن انقطاع الإنترنت أو ضعف شبكة الهاتف، بل عن طرق مهترئة ومسالك صعبة وخدمات أساسية لا ترقى إلى مستوى انتظارات المواطنين، فضلاً عن غياب فرص الشغل التي تدفع الشباب إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل، وهي مطالب تبدو في جوهرها مرتبطة بأبسط الحقوق الدستورية التي يفترض أن يستفيد منها جميع المواطنين على قدم المساواة.
وفي خضم هذه التطورات، يجد المسؤولون المحليون أنفسهم أمام أسئلة محرجة تتعلق بمدى فعالية البرامج التنموية التي تم تنزيلها خلال السنوات الماضية.
فإقليم ميدلت لم يكن خارج دائرة الاستفادة من المشاريع العمومية أو برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بل رُصدت له اعتمادات مالية مهمة كان من المفترض أن تساهم في تحسين ظروف العيش وفك العزلة عن المناطق الجبلية.
غير أن المشهد الذي تعكسه احتجاجات إملشيل يبدو بعيداً عن الصورة التي تقدمها التقارير الرسمية، فحين يخرج المواطنون إلى الشارع للمطالبة بخدمات أساسية يفترض أنها من المسلمات في القرن الحادي والعشرين، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول الأثر الحقيقي لهذه البرامج ومدى انعكاسها على الواقع اليومي للساكنة.
كما تعيد هذه الاحتجاجات النقاش حول مفهوم العدالة المجالية الذي ظل شعاراً مركزياً في مختلف السياسات العمومية، فالعدالة المجالية لا تقاس بعدد المشاريع المعلن عنها أو بحجم الميزانيات المرصودة فقط، بل بقدرة المواطن في الجبل على الولوج إلى الخدمات نفسها التي يستفيد منها المواطن في المدن الكبرى، وبإحساسه بأنه جزء من مسار التنمية وليس مجرد متفرج عليه.
ويرى عدد من المتابعين للشأن المحلي أن ما تعيشه إملشيل اليوم يمثل اختباراً حقيقياً لنجاعة التدبير الترابي بالإقليم، لأن الساكنة لم تعد تحاكم المسؤولين على أساس الوعود أو البلاغات الرسمية، وإنما من خلال النتائج الملموسة التي تنعكس على حياتها اليومية.
وعندما تستمر مشاكل العزلة وضعف الخدمات الأساسية رغم تعاقب البرامج والمشاريع، فإن من الطبيعي أن تتعالى الأصوات المطالبة بالمحاسبة والتقييم.
كما أن تصاعد الاحتجاجات يفتح الباب أمام ضرورة إجراء تقييم موضوعي وشامل لمختلف المشاريع المنجزة بالإقليم، خصوصاً تلك الممولة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لمعرفة مدى تحقيقها للأهداف التي أُطلقت من أجلها، ومدى مساهمتها الفعلية في محاربة الهشاشة والفقر والإقصاء الاجتماعي.
فالساكنة اليوم لا تطالب بالمستحيل، ولا تبحث عن امتيازات خاصة، وإنما تنادي بحقوق أساسية تتعلق بالطريق والاتصال والشغل والخدمات العمومية والكرامة الإنسانية، وهي مطالب تعكس في عمقها حجم الفجوة القائمة بين الخطاب التنموي الرسمي وبين الواقع الذي تعيشه مناطق عديدة من الجبل.
وتؤكد الاحتجاجات المتواصلة بإملشيل أن معركة التنمية الحقيقية لا تزال بعيدة عن الحسم، وأن الملايير التي صُرفت على مدى سنوات طويلة لم تنجح بعد في إقناع جزء من المواطنين بأن أوضاعهم تغيرت بالشكل الذي كانوا ينتظرونه.
لذلك فإن الرسالة التي حملتها مسيرات تيسيلا وتيلمي ليست موجهة فقط إلى قطاع الاتصالات أو إلى جهة بعينها، بل إلى مختلف المتدخلين في تدبير الشأن العام، من سلطات ومنتخبين ومؤسسات عمومية.
إنها رسالة واضحة مفادها أن زمن الاكتفاء بالشعارات قد انتهى، وأن ساكنة الجبل تريد تنمية تُقاس بالنتائج لا بالوعود، وبالواقع لا بالتقارير، وبالأثر الملموس على حياة المواطنين لا بالأرقام التي تزين الوثائق الإدارية.
وما دامت هذه المطالب ما تزال ترفع في شوارع إملشيل سنة بعد أخرى، فإن السؤال الحقيقي يبقى: أين ذهبت كل مشاريع التنمية التي قيل إنها جاءت لفك العزلة عن الجبل؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد