هبة زووم – الرباط
يبدو أن المسافة بين الوعود الرسمية والتنزيل الفعلي للمشاريع ما تزال طويلة داخل قطاع الثقافة، وهو ما تعكسه بوضوح قضية مشروع تنشيط دور الثقافة الذي تقدمت به جمعية خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، والذي ما يزال معلقاً في انتظار رد رسمي من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، رغم مرور أشهر على إيداعه واستكمال مختلف مساطره الإدارية.
فالملف الذي كان يفترض أن يشكل فرصة حقيقية لإدماج كفاءات شابة متخصصة في المجال الثقافي والفني، وتحويل دور الثقافة إلى فضاءات حية للإبداع والتأطير والتنشيط، وجد نفسه حبيس الانتظار، في مشهد يعيد إلى الواجهة الإشكال المزمن المرتبط ببطء التفاعل الإداري مع المبادرات المهنية الجادة، حتى عندما تكون مدعومة بتصورات عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ.
وتعود تفاصيل القضية إلى اللقاء الذي جمع ممثلي جمعية الخريجين بوزير الشباب والثقافة والتواصل في فبراير الماضي، حيث جرى التداول بشأن مجموعة من الملفات المرتبطة بأوضاع الخريجين وآفاق إدماجهم المهني.
ووفق ما تؤكده الجمعية، فإن الوزير أبدى آنذاك انفتاحاً على المشروع المقترح وأعطى إشارات إيجابية بشأن إمكانية تنزيله عبر اتفاقية تمتد لثلاث سنوات، بما يسمح باستثمار كفاءات الخريجين داخل شبكة دور الثقافة المنتشرة بمختلف جهات المملكة.
واستجابة لهذا التوجه، سارعت الجمعية إلى إعداد المشروع واستكمال تفاصيله التقنية والإدارية في ظرف وجيز، قبل إيداعه رسمياً لدى المصالح المختصة بالوزارة، غير أن ما حدث بعد ذلك، وفق رواية الجمعية، كان سلسلة طويلة من الانتظار والوعود المؤجلة دون صدور أي موقف رسمي واضح بشأن مصير المشروع.
وتطرح هذه الوضعية أكثر من سؤال حول طبيعة العلاقة بين الإدارة وحاملي المشاريع والمبادرات المهنية. فحين يطلب من الفاعلين إعداد تصورات وبرامج وإيداع ملفاتهم وفق المساطر القانونية، ثم يجدون أنفسهم أمام حالة من الصمت الإداري الممتد، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمشروع متوقف، بل بمسألة ترتبط بثقة الفاعلين في المؤسسات وفي جدوى الحوار الذي يفتح معهم.
وفي العمق، لا يبدو أن مشروع تنشيط دور الثقافة مجرد مطلب فئوي يخص خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، بل يحمل أبعاداً ثقافية وتنموية أوسع.
فالمغرب يتوفر على عشرات دور الثقافة التي أنشئت لتكون فضاءات للإبداع والتكوين والتأطير الثقافي، غير أن جزءاً منها ما يزال يعاني من ضعف البرمجة أو محدودية الموارد البشرية المتخصصة القادرة على ضخ دينامية جديدة داخل هذه المؤسسات.
ومن هنا، يرى متابعون أن المشروع كان يمكن أن يشكل فرصة مزدوجة؛ فمن جهة يفتح آفاقاً مهنية أمام خريجين تلقوا تكويناً متخصصاً في التنشيط الثقافي والفني، ومن جهة ثانية يساهم في إعادة الاعتبار لدور الثقافة كمؤسسات عمومية يفترض أن تلعب دوراً محورياً في الحياة الثقافية المحلية.
كما يعيد هذا الملف النقاش حول أوضاع خريجي المعاهد الفنية والثقافية بالمغرب، الذين يجد كثير منهم أنفسهم في مواجهة سوق شغل محدود الفرص، رغم الحاجة المتزايدة إلى الكفاءات المؤهلة في مجالات الثقافة والفنون والتنشيط الثقافي، وهو ما يجعل أي مبادرة تروم خلق فرص للإدماج المهني محط اهتمام وانتظار من طرف هذه الفئة.
وفي المقابل، يبقى من حق الوزارة دراسة المشاريع والتأكد من جدواها التقنية والمالية والقانونية قبل اتخاذ القرار المناسب بشأنها، غير أن استمرار حالة الانتظار دون موقف واضح أو جواب رسمي يظل مصدر قلق وتساؤل بالنسبة لأصحاب المشروع، خاصة بعد أشهر من الإيداع والمتابعة والاتصالات المتكررة.
واليوم، لا يطالب خريجو المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بأكثر من جواب واضح يحدد مصير مشروعهم، سواء بالموافقة أو التعديل أو حتى الرفض المعلل.
فالمشكل الحقيقي لم يعد في مضمون المشروع فقط، بل في غياب الوضوح الذي يجعل أصحاب المبادرات يعيشون في منطقة رمادية بين الأمل والانتظار.
وفي قطاع يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى ضخ دماء جديدة وإعطاء فرص حقيقية للكفاءات الشابة، تبدو سرعة الحسم في مثل هذه الملفات جزءاً من معركة أكبر تتعلق بمصداقية السياسات الثقافية وقدرتها على الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى الأثر الملموس على أرض الواقع.
تعليقات الزوار