بنسعيد يروّج لصناعة الألعاب الإلكترونية والمغرب ما يزال خارج “اللعبة الكبرى”

هبة زووم – الرباط
يحاول المغرب في السنوات الأخيرة تقديم نفسه كفاعل صاعد في مجال صناعة الألعاب الإلكترونية، من خلال تنظيم المعارض والمنتديات وإطلاق خطابات رسمية تتحدث عن “التحول الرقمي” و”اقتصاد المستقبل”، غير أن الواقع يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل نحن فعلاً أمام صناعة وطنية حقيقية للألعاب الإلكترونية، أم فقط أمام موجة تواصلية جديدة تحاول تسويق صورة أكثر حداثة للدولة؟
هذا السؤال عاد بقوة بعد تصريحات محمد مهدي بنسعيد، الذي أكد خلال معرض الألعاب الإلكترونية بالرباط أن المغرب حقق “انتقالاً نوعياً” في هذا المجال، عبر تجاوز منطق الاستهلاك والترفيه نحو تطوير صناعة محلية قائمة على الإبداع والابتكار.
الكلام يبدو جميلاً على مستوى الخطاب، لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير. فصناعة الألعاب الإلكترونية ليست مجرد تنظيم معارض أو احتضان لقاءات تفاعلية، بل منظومة اقتصادية وتكنولوجية متكاملة تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وشركات تطوير حقيقية، ومدارس تكوين متخصصة، وحاضنات أعمال، وتمويلات، وسوق داخلية قادرة على خلق القيمة المضافة.
وإذا كان الوزير يتحدث عن “تحويل الشغف إلى صناعة”، فإن السؤال المطروح اليوم هو: أين هي الشركات المغربية الكبرى المتخصصة في تطوير الألعاب؟ وأين هي الاستوديوهات الوطنية القادرة على المنافسة قارياً أو دولياً؟ وأين هي فرص الشغل الحقيقية التي يمكن أن تجعل هذا القطاع رافعة اقتصادية فعلية للشباب المغربي؟
الواقع يؤكد أن المغرب لا يزال في مرحلة “استهلاك الألعاب” أكثر من إنتاجها. فالغالبية الساحقة من الشباب المغربي تمارس ألعاباً أجنبية مطورة في الولايات المتحدة أو اليابان أو كوريا أو الصين، بينما يظل الإنتاج المحلي محدوداً جداً ولا يكاد يُرى داخل السوق الدولية.
ثم إن الحديث عن “اقتصاد الألعاب الإلكترونية” يصطدم أيضاً بإشكالات بنيوية يعرفها المغرب، تبدأ من ضعف البنية الرقمية، وتمر عبر أزمة التكوين، ولا تنتهي عند غياب الدعم الحقيقي للمواهب الشابة. فكيف يمكن الحديث عن صناعة رقمية تنافسية، بينما آلاف الشباب الموهوبين في البرمجة والتصميم يهاجرون أو يشتغلون لحساب شركات أجنبية عن بعد بسبب غياب بيئة وطنية محفزة؟
الأكثر إثارة أن الخطاب الرسمي يحاول دائماً تقديم الألعاب الإلكترونية باعتبارها “فرصة اقتصادية واعدة”، دون التوقف كثيراً عند الجانب الاجتماعي والنفسي المرتبط بالإدمان الرقمي والعزلة الإلكترونية، وهي قضايا أصبحت تؤرق الأسر المغربية بشكل متزايد.
صحيح أن الوزير تحدث عن شراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة من أجل توفير بيئة آمنة للأطفال، لكن الواقع يؤكد أن النقاش العمومي حول الألعاب الإلكترونية بالمغرب لا يزال سطحياً، ويغلب عليه منطق “التسويق الرقمي” أكثر من التفكير العميق في التأثيرات الاجتماعية والثقافية والتربوية لهذه الصناعة.
كما أن تحويل هذا المجال إلى “واجهة حداثية” جديدة لا يكفي وحده لصناعة نجاح حقيقي. فالمغرب يحتاج أولاً إلى بناء منظومة رقمية متكاملة، تبدأ من المدرسة والجامعة، وتمر عبر التكوين المهني المتخصص، وتنتهي بخلق شركات وطنية قادرة على المنافسة والإنتاج والتصدير.
أما الاكتفاء بالمعارض والندوات والخطابات الاحتفالية، فلن يصنع صناعة ألعاب إلكترونية، تماماً كما أن الحديث المتكرر عن “التحول الرقمي” لم يحل بعد مشاكل البطالة الرقمية أو ضعف الابتكار أو هجرة الكفاءات.
اليوم، يبدو واضحاً أن المغرب يحاول دخول عالم الألعاب الإلكترونية من باب التواصل السياسي والرهان الرمزي على “المهن الجديدة”، لكن التحدي الحقيقي ليس في تنظيم المعارض أو إطلاق الشعارات، بل في القدرة على تحويل هذا الحلم الرقمي إلى اقتصاد فعلي يخلق الثروة وفرص الشغل ويحفظ للمواهب المغربية حقها في الإبداع داخل وطنها، لا خارجه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد