بنسعيد يبيع وهم صناعة الألعاب الإلكترونية ويحولها إلى شماعة جديدة لتجميل فشل السياسات الثقافية والتشغيلية

هبة زووم – الرباط
في وقت ما تزال فيه قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والشغل تعيش اختلالات عميقة، خرج وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، ليتحدث أمام مجلس المستشارين عن “الرهان المغربي على صناعة الألعاب الإلكترونية”، مقدماً صورة وردية عن قطاع لا يزال في مراحله الجنينية بالمغرب، وكأنه مشروع اقتصادي عملاق بات يطرق أبواب العالمية.
الوزير تحدث بحماس عن ألعاب إلكترونية تعليمية ستعتمدها وزارة التربية الوطنية، وعن عمليات جراحية عن بُعد مستوحاة من تقنيات الـ”Gamification”، بل ذهب أبعد من ذلك حين أعلن أن المغرب يطمح إلى تمثيل 1 في المائة من رقم معاملات السوق العالمية للألعاب الإلكترونية، المقدرة بـ300 مليار دولار.
لكن خلف هذا الخطاب المليء بالأرقام الكبيرة والطموحات الحالمة، يبرز سؤال جوهري: هل يتوفر المغرب فعلاً على البنية التحتية والبيئة الاقتصادية والتكنولوجية التي تؤهله لدخول هذا السباق العالمي؟ أم أننا أمام موجة جديدة من “التسويق السياسي الرقمي” الذي يرفع الشعارات أكثر مما ينتج الحلول؟
فالحقيقة التي يعرفها الجميع أن قطاع التكنولوجيا والألعاب الإلكترونية بالمغرب ما يزال يعاني من هشاشة كبيرة، سواء من حيث التكوين أو الاستثمار أو مواكبة الكفاءات الشابة. آلاف الشباب المبدعين في البرمجة والتصميم الرقمي يشتغلون في ظروف صعبة، دون دعم حقيقي أو احتضان مؤسساتي فعّال، بينما يختار كثير منهم الهجرة نحو الخارج بحثاً عن فرص أفضل.
أما الحديث عن “صناعة ألعاب إلكترونية مغربية” تنافس عالمياً، فيبدو أقرب إلى الأمنيات منه إلى الواقع، خصوصاً في ظل غياب شركات وطنية كبرى قادرة على الاستثمار الحقيقي في هذا المجال، وضعف التمويل الموجه للمقاولات الناشئة، وغياب سياسة رقمية واضحة المعالم.
الأخطر أن الحكومة تحاول تقديم قطاع الألعاب الإلكترونية وكأنه بوابة سحرية لحل مشاكل التشغيل والاقتصاد، بينما الواقع يكشف أن المغرب ما يزال متأخراً حتى في أبسط البنيات الرقمية والخدمات التكنولوجية الأساسية.
فكيف يمكن الحديث عن “اقتصاد الألعاب” في وقت تعاني فيه مدارس عمومية من غياب الأنترنت والتجهيزات، وتعاني فيه الجامعات من ضعف التكوين في المهن الرقمية الحديثة؟
لا أحد ينكر أن صناعة الألعاب الإلكترونية أصبحت اليوم قطاعاً عالمياً ضخماً يدر مليارات الدولارات، وأنها تفتح آفاقاً جديدة للإبداع والتشغيل، لكن تحويل هذا المجال إلى مادة دعائية للاستهلاك السياسي لا يخدم الشباب المغربي بقدر ما يخلق فجوة جديدة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي.
ثم إن ربط “الـGaming” بالتنمية لا يمكن أن يتم فقط عبر التصريحات داخل البرلمان أو تنظيم معارض موسمية، بل يحتاج إلى رؤية وطنية حقيقية تبدأ من إصلاح التعليم الرقمي، وتطوير البحث العلمي، وتشجيع الاستثمار التكنولوجي، وربط الجامعة بسوق الشغل، بدل الاكتفاء بترديد أرقام ضخمة وأهداف فضفاضة.
اليوم، يبدو واضحاً أن الحكومة تحاول تصدير صورة “مغرب رقمي صاعد”، بينما يعيش آلاف الشباب البطالة والتهميش والإقصاء الرقمي. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في الحديث عن ألعاب إلكترونية بمليارات الدولارات، بل في خلق بيئة حقيقية تضمن للشباب المغربي فرصاً عادلة للإبداع والإنتاج والمنافسة.
أما غير ذلك، فقد يتحول “حلم الألعاب الإلكترونية” إلى مجرد فقاعة إعلامية جديدة، تُضاف إلى سلسلة الوعود الكبيرة التي تصطدم دائماً بجدار الواقع المغربي الصعب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد