45 مليون درهم فقط.. ماذا بقي من مكتب التسويق والتصدير بعد سنوات من التصفية؟

هبة زووم – الرباط
كشفت المعطيات التي قدمتها وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي بشأن تصفية مكتب التسويق والتصدير عن استرجاع ما يقارب 45,5 مليون درهم لفائدة صندوق المقاصة، وهي حصيلة أعادت إلى الواجهة النقاش حول مآل المؤسسات العمومية التي يتم حلها أو إعادة هيكلتها، وحول الكلفة الحقيقية لسنوات من التدبير التي تنتهي في النهاية بقرار التصفية.
فبينما تقدم الحكومة هذه العملية باعتبارها نجاحاً إدارياً وقانونياً في تنفيذ مقتضيات القانون رقم 06.20، يرى متابعون أن الأرقام المعلنة تفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد استرجاع بضعة ملايين من الدراهم، وتتعلق أساساً بتقييم حصيلة مؤسسة عمومية ظلت قائمة لعقود قبل أن ينتهي بها المطاف إلى التصفية ونقل ممتلكاتها إلى الدولة.
الوزيرة أوضحت أن لجنة التصفية تمكنت من إعادة انتشار الموارد البشرية والحفاظ على حقوق المستخدمين ونقل العقارات والمساهمات المالية للدولة، إضافة إلى استرجاع مبالغ مالية لفائدة صندوق المقاصة، غير أن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بالإجراءات التقنية للتصفية، بل بما إذا كانت المؤسسة قد حققت الأهداف التي أنشئت من أجلها قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
فحين يتم الإعلان عن نقل 21 عقاراً إلى الملك الخاص للدولة وتحويل مساهمات مالية وعقارية مختلفة، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول القيمة الحقيقية لهذه الأصول، وكيف جرى تدبيرها على امتداد السنوات السابقة، وما إذا كانت قد استُثمرت بالشكل الذي يخدم المصلحة العامة.
كما أن استمرار وجود ملفات عالقة، من بينها الديون المرتبطة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يكشف أن مسار التصفية لم يغلق بعد بشكل نهائي، وأن بعض الإشكالات المالية والإدارية ما تزال تنتظر الحسم رغم مرور سنوات على صدور قرار الحل.
ويرى متابعون أن القضية تتجاوز مكتب التسويق والتصدير في حد ذاته، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بمصير عدد من المؤسسات العمومية التي تتحول مع مرور الوقت إلى هياكل فاقدة للفعالية، قبل أن يتم اللجوء إلى خيار الحل أو التصفية دون تقديم تقييم شامل للرأي العام حول أسباب الفشل أو حجم المسؤوليات المرتبطة به.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التوجه الرسمي نحو إصلاح المؤسسات العمومية وترشيد النفقات وتعزيز الحكامة. فالمواطن لا ينتظر فقط معرفة قيمة الأموال المسترجعة أو عدد العقارات المنقولة، بل يتطلع إلى فهم الكلفة الحقيقية التي تحملتها المالية العمومية طوال سنوات اشتغال هذه المؤسسات، والعائد الذي حققته مقابل ما استهلكته من موارد وإمكانات.
كما أن استرجاع 45,5 مليون درهم، رغم أهميته، لا يجيب بالضرورة عن الأسئلة المرتبطة بمردودية المؤسسة قبل تصفيتها، ولا عن حجم الأموال والاستثمارات التي مرت عبرها على امتداد عقود من الزمن، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى تقييمات أكثر شمولاً وشفافية تتجاوز لغة الأرقام المجردة.
وفي ظل استمرار الحديث عن إصلاح القطاع العمومي وربط المسؤولية بالمحاسبة، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق تصفية المؤسسات بعد تعثرها إلى منطق التقييم المبكر والرقابة الفعالة التي تمنع وصول المرافق العمومية إلى مرحلة الإفلاس الوظيفي أو فقدان الجدوى.
فنجاح أي عملية تصفية لا يقاس فقط بحجم الأموال المسترجعة أو العقارات المنقولة، بل بقدرة الدولة على استخلاص الدروس من التجارب السابقة، وضمان ألا تتحول مؤسسات أخرى مستقبلاً إلى ملفات جديدة تنتظر التصفية بعد سنوات طويلة من استنزاف المال العام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد