أين اختفى 33 مستشاراً؟ دورة النظافة بالدار البيضاء تفضح أزمة الالتزام السياسي داخل أكبر مجلس جماعي بالمغرب
هبة زووم – الدار البيضاء
إذا كانت مدينة الدار البيضاء تمثل القلب الاقتصادي للمغرب، فإن مجلسها الجماعي يفترض أن يكون نموذجاً في الجدية والانضباط وتحمل المسؤولية. غير أن ما وقع خلال الدورة التي خُصصت للمصادقة على واحدة من أهم الصفقات المرتبطة بقطاع النظافة وجمع النفايات، يكشف واقعاً مختلفاً تماماً، ويطرح أسئلة محرجة حول مفهوم التمثيلية السياسية وحدود الالتزام الأخلاقي للمنتخبين.
فالأرقام وحدها كافية لإثارة الاستغراب. فمن أصل 131 عضواً يتكون منهم مجلس مدينة الدار البيضاء بعد التعديلات التي عرفها خلال الولاية الحالية، تمتلك أحزاب الأغلبية الأربعة، وهي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الدستوري، ما مجموعه 101 عضو وعضوة، أي أغلبية مريحة قادرة نظرياً على تمرير أي مقرر دون عناء.
لكن المفاجأة ظهرت خلال التصويت على ملف يعتبر من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للساكنة، ويتعلق بقطاع النظافة الذي يستنزف ميزانيات ضخمة ويؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للبيضاويين. إذ لم يحضر للتصويت سوى 68 عضواً فقط، ما يعني أن 33 مستشاراً من مكونات الأغلبية اختاروا الغياب عن واحدة من أهم الدورات خلال السنة.
وهنا يبرز السؤال المشروع: أين كان هؤلاء؟ هل يتعلق الأمر بظروف استثنائية جماعية؟ أم أن الأمر يكشف حالة من التراخي والاستهتار بالمسؤولية الانتدابية؟ وكيف يمكن لمنتخبين يتنافسون بشراسة على التزكيات والمناصب والمواقع داخل اللوائح الانتخابية أن يختفوا عندما يحين وقت الحضور واتخاذ القرار؟
الأخطر من ذلك أن هذا الغياب الجماعي يفتح الباب أمام تساؤلات مرتبطة بأمن المؤسسات نفسها. فماذا لو اتسعت دائرة الغياب أكثر؟ وماذا لو فشلت الأغلبية في ضمان النصاب القانوني؟ وهل يعقل أن تظل مدينة بحجم الدار البيضاء رهينة مزاج أو انضباط عشرات المنتخبين الذين يفترض أنهم يمثلون إرادة المواطنين؟
المفارقة أن الطبقة السياسية لا تتوقف عن الحديث عن أزمة الثقة وتراجع نسب المشاركة الانتخابية وعزوف المواطنين عن السياسة. غير أن جزءاً مهماً من هذه الأزمة تصنعه الممارسات اليومية لبعض المنتخبين أنفسهم. فالمواطن الذي يرى مستشاره الجماعي غائباً عن أهم الدورات، أو لا يحضر إلا عند الضرورة، لن يقتنع بسهولة بخطابات المشاركة والديمقراطية والحكامة الجيدة.
كما أن هذا الوضع يعيد النقاش حول جدوى المقتضيات القانونية المتعلقة بغياب المنتخبين. فالقانون التنظيمي للجماعات يتضمن آليات واضحة للتعامل مع الغيابات المتكررة وغير المبررة، غير أن تفعيل هذه المقتضيات ظل محدوداً جداً، الأمر الذي شجع على ترسيخ ثقافة الإفلات من المساءلة داخل عدد من المجالس المنتخبة.
إن المنتخب الجماعي ليس مجرد اسم في لائحة انتخابية أو صورة في حملة انتخابية، بل هو مسؤول عن اتخاذ قرارات تؤثر على حياة مئات الآلاف من المواطنين. وعندما يتحول الحضور إلى استثناء والغياب إلى قاعدة، فإن ذلك يفرغ التمثيل الديمقراطي من مضمونه الحقيقي.
اليوم، لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بصفقة النظافة أو بمن صوّت ومن غاب، بل أصبح يتعلق بصورة المؤسسة المنتخبة نفسها، وبمدى احترام المنتخبين للثقة التي وضعها المواطنون فيهم. لأن الديمقراطية لا تُقاس بعدد المقاعد التي تفوز بها الأحزاب، بل بمدى حضور ممثليها وتحملهم لمسؤولياتهم داخل المؤسسات.
وفي انتظار تقديم تفسيرات واضحة للرأي العام حول أسباب هذا الغياب الجماعي اللافت، يبقى المؤكد أن دورة النظافة الأخيرة كشفت جانباً من أزمة أعمق تتعلق بثقافة الالتزام السياسي والانضباط المؤسساتي، وهي أزمة لا يمكن معالجتها بالشعارات، بل بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المجالس المنتخبة نفسها.