جمعية هيئات المحامين ترفع سقف الاحتجاج: وزير العدل يشعل أزمة غير مسبوقة داخل منظومة العدالة

هبة زووم – الرباط
دخلت الأزمة بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب مرحلة أكثر حدة وتعقيداً، بعدما أعلنت الجمعية مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية إلى إشعار آخر، في خطوة تعكس حجم الاحتقان الذي بات يطبع العلاقة بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وأسرة الدفاع.
فالقرار الجديد لا يمثل مجرد تمديد لإضراب مهني عابر، بل يكشف عن فشل واضح في احتواء واحدة من أكبر الأزمات التي عرفها قطاع العدالة خلال السنوات الأخيرة، ويطرح تساؤلات جدية حول مصير مشروع قانون مهنة المحاماة الذي تحول من ورش إصلاحي مفترض إلى عنوان لصدام مفتوح بين الوزارة والهيئات المهنية.
وكان المحامون قد دخلوا في توقف إنذاري شامل لمدة سبعة أيام احتجاجاً على ما اعتبروه تجاهلاً لمطالبهم وملاحظاتهم المرتبطة بمشروع القانون الجديد، غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الهوة بين الطرفين ما تزال تتسع بدل أن تضيق، خاصة بعد التصريحات الإعلامية والسياسية التي صدرت عن وزير العدل وأثارت غضباً واسعاً داخل الجسم المهني.
جمعية هيئات المحامين لم تكتفِ بالتعبير عن رفضها لمضامين المشروع، بل وجهت انتقادات مباشرة إلى الوزير، معتبرة أن بعض خرجاته الإعلامية تضمنت إساءة لمهنة المحاماة وتبخيساً لأدوارها الدستورية والحقوقية، وهو ما اعتبرته تجاوزاً غير مقبول من مسؤول حكومي يفترض فيه السهر على تعزيز الثقة في مكونات منظومة العدالة لا تعميق حالة التوتر داخلها.
ويبدو أن الأزمة تجاوزت النقاش التقني حول مواد قانونية معينة، لتتحول إلى معركة حول موقع المحاماة داخل منظومة العدالة وحدود استقلاليتها ودورها المؤسساتي، فالمحامون يرون أن المشروع المطروح يتضمن مقتضيات تمس جوهر المهنة وتضعف مؤسساتها التمثيلية والاجتماعية، بينما تصر الوزارة على المضي في مسار الإصلاح كما تراه مناسباً.
ومن بين الملفات التي زادت من منسوب التوتر، قضية تعاضدية المحامين التي تحولت بدورها إلى محور مواجهة جديدة، بعدما اعتبرت الجمعية أن أي مساس بهذه المؤسسة الاجتماعية يشكل استهدافاً مباشراً لحقوق آلاف المحامين وأسرهم، مؤكدة أنها تخضع أصلاً لمختلف آليات الرقابة القانونية والمؤسساتية.
وفي خضم هذا التصعيد، قررت الجمعية مراسلة رئيس الحكومة بشكل رسمي، في خطوة تعكس فقدان الثقة في قدرة وزارة العدل على تدبير الحوار بشكل يفضي إلى حلول توافقية. كما أعلنت إبقاء مكتبها في حالة انعقاد دائم، مع تفويضه اتخاذ ما يراه مناسباً من خطوات نضالية خلال المرحلة المقبلة.
ويرى متابعون للشأن القضائي أن استمرار هذا الصراع دون أفق واضح للحل يهدد بإرباك السير العادي لمرفق العدالة، خاصة وأن المحامين يشكلون أحد أعمدتها الأساسية. فكل يوم إضافي من التوقف المهني ينعكس بشكل مباشر على مصالح المتقاضين وعلى وتيرة معالجة الملفات والقضايا المعروضة أمام المحاكم.
كما يطرح هذا الوضع تساؤلات حول منهجية تدبير الإصلاحات الكبرى داخل قطاع العدالة. فنجاح أي إصلاح تشريعي يظل رهيناً بقدرته على استيعاب مختلف الفاعلين المعنيين وإشراكهم بشكل فعلي في صياغة النصوص المؤطرة لمهنهم، بعيداً عن منطق فرض الأمر الواقع أو الاكتفاء بالمشاورات الشكلية.
واليوم، تبدو وزارة العدل أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إعادة بناء جسور الثقة مع هيئة تعتبر نفسها شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة. أما الاستمرار في منطق التصعيد المتبادل، فقد يقود إلى مزيد من الاحتقان داخل قطاع لا يحتمل أصلاً المزيد من الأزمات.
وبين تمسك الوزير بمشروعه الإصلاحي، وإصرار المحامين على الدفاع عن استقلالية مهنتهم ومؤسساتهم، تبدو معركة قانون المحاماة مرشحة لمزيد من التصعيد، في انتظار تدخل سياسي ومؤسساتي قادر على إعادة الحوار إلى سكته الطبيعية وإنقاذ منظومة العدالة من أزمة تتسع رقعتها يوماً بعد آخر.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد