دعم المواشي بين التجاذبات السياسية و”بلوكاج” البرلمان.. هل أُجهضت لجنة تقصي الحقائق قبل أن ترى النور؟
هبة زووم – محمد خطاري
يبدو أن المبادرة الرامية إلى تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن ملف دعم استيراد المواشي تسير نحو المصير نفسه الذي انتهت إليه مبادرات رقابية سابقة، بعدما اصطدمت منذ خطواتها الأولى بخلافات سياسية وتنظيمية أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول مدى جدية المؤسسة التشريعية في ممارسة اختصاصها الرقابي عندما يتعلق الأمر بالملفات الحساسة ذات الامتداد المالي والاقتصادي.
فبعد الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن المبادرة، وما رافقها من مؤشرات على إمكانية حشد أغلبية مريحة لتفعيلها، سرعان ما تبددت تلك الآمال إثر تعثر أول اجتماع تنظيمي بسبب غياب عدد من مسؤولي الفرق النيابية، في مشهد اعتبره متابعون مؤشراً على هشاشة التوافقات البرلمانية، وعلى صعوبة الانتقال من التصريحات السياسية إلى الممارسة الرقابية الفعلية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن تعثر اللجنة لا يرتبط فقط بالجوانب الإجرائية، بل يعكس أيضاً استمرار حالة الانقسام بين مكونات الأغلبية والمعارضة، فضلاً عن التباين في مقاربة الملف وحدود التحقيق المطلوب. كما يفرض ضيق الزمن التشريعي ضغطاً إضافياً قد يجعل استكمال مسطرة إحداث اللجنة أكثر تعقيداً مع اقتراب نهاية الولاية البرلمانية.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان محطات رقابية سابقة انتهت إلى الفشل قبل بلوغ أهدافها، وفي مقدمتها تجربة ملتمس الرقابة، الذي سقط تحت وطأة الخلافات السياسية أكثر مما سقط بسبب المعطيات الموضوعية. وهو ما يعزز الانطباع بأن أدوات الرقابة الدستورية كثيراً ما تتحول إلى رهينة للتجاذبات الحزبية، بدل أن تكون آليات مستقلة لخدمة الحقيقة والمساءلة.
وفي خضم هذا الجدل، اختار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، الرد من داخل البرلمان بنفي ما يروج بشأن تخصيص 13 مليار درهم لدعم مستوردي المواشي، معتبراً أن هذه الأرقام لا تستند إلى معطيات صحيحة، وأن حكومته تعتمد في تدبير هذا الملف على الوقائع والأرقام الرسمية، بعيداً عن ما وصفه بالمزايدات السياسية.
غير أن نفي الحكومة، مهما بلغت قوته، لا يلغي الحاجة إلى رقابة برلمانية مستقلة عندما يتعلق الأمر بتدبير المال العام. فجوهر لجان تقصي الحقائق لا يقوم على إدانة مسبقة لأي جهة، بل على كشف الوقائع، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتمكين الرأي العام من معطيات موثقة حول كيفية اتخاذ القرارات وتدبير الموارد العمومية.
وفي المقابل، فإن استمرار التعثر يبعث برسائل سلبية إلى الرأي العام، الذي ينتظر من البرلمان ممارسة أدواره الدستورية بعيداً عن الحسابات الانتخابية أو الاصطفافات الحزبية. كما يثير تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على تفعيل آليات الرقابة التي منحها لها الدستور، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات ترتبط مباشرة بالإنفاق العمومي والأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.
اليوم، لم يعد الرهان مقتصراً على تشكيل لجنة من عدمه، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة البرلمان على استعادة ثقة المواطنين في دوره الرقابي. فإذا انتهى هذا الملف إلى المصير نفسه الذي انتهت إليه مبادرات سابقة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون طرفاً سياسياً بعينه، بل ستكون المؤسسة البرلمانية نفسها، التي قد تجد صعوبة أكبر في إقناع الرأي العام بفاعلية أدواتها الرقابية وجدوى الآليات الدستورية التي خُولت لها لمساءلة السلطة التنفيذية وحماية المال العام.