تقرير برلماني يدق ناقوس الخطر.. الطب الشرعي بالمغرب يختنق بين الخصاص والإهمال وتهديد العدالة

هبة زووم – الرباط
كشف تقرير المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول وضعية الطب الشرعي بالمغرب عن صورة مقلقة لقطاع يعد أحد الأعمدة الأساسية للعدالة الجنائية، لكنه يعيش، بحسب التقرير، أزمة بنيوية عميقة تهدد فعالية الأبحاث القضائية وتنعكس بشكل مباشر على حقوق المتقاضين وجودة الأحكام القضائية.
التقرير، الذي عرض أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب خلال شهر يوليوز 2026، لم يكتف بتشخيص مكامن الخلل، بل رسم ملامح قطاع يعيش حالة من التهميش المزمن، في وقت يفترض فيه أن يكون الطب الشرعي أداة رئيسية لكشف الحقيقة، وحماية الحقوق والحريات، وتعزيز الثقة في منظومة العدالة.
وأبرز التقرير أن المغرب لا يتوفر، إلى حدود نهاية سنة 2024، سوى على ما بين 25 و28 طبيباً متخصصاً في الطب الشرعي، وهو رقم وصفه البرلمانيون بالصادم، بالنظر إلى عدد السكان وحجم القضايا الجنائية المعروضة سنوياً أمام المحاكم. والأخطر من ذلك أن عشر دوائر قضائية لا تضم أي طبيب شرعي متخصص، ما يفرض اللجوء إلى حلول ترقيعية لا تستجيب للمعايير العلمية المطلوبة.
ولسد هذا الخصاص، يتحمل نحو 147 طبيباً غير متخصص مسؤولية إنجاز مهام الطب الشرعي داخل مكاتب حفظ الصحة، رغم أن تكوينهم الأصلي لا يؤهلهم لممارسة هذا التخصص الدقيق، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول جودة الخبرات الطبية ومدى تأثيرها على مسار القضايا الجنائية، خاصة تلك المتعلقة بالوفيات المشبوهة والاعتداءات الجسدية وادعاءات التعذيب.
ولم تتوقف الاختلالات عند العنصر البشري، بل امتدت إلى البنيات التحتية، حيث رصد التقرير وضعاً وصفه بالمقلق داخل عدد من مصالح الطب الشرعي، نتيجة تقادم التجهيزات الأساسية، وفي مقدمتها أجهزة حفظ الجثث، إلى جانب النقص الكبير في المختبرات والمعدات العلمية الضرورية لإنجاز الخبرات وفق المعايير الدولية.
كما سجل التقرير تفاوتات مجالية صارخة في توزيع 108 مستودعات للأموات عبر التراب الوطني، وهو ما يعمق الفوارق بين الجهات، ويجعل جودة الخدمات رهينة بالإمكانات المتوفرة محلياً، في تناقض مع مبدأ المساواة في الولوج إلى العدالة.
وزاد التقرير من حدة انتقاده عندما تطرق إلى الجانب المالي، معتبراً أن التعويضات الممنوحة للأطباء الشرعيين لا توازي إطلاقاً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، إذ لا تتجاوز 30 درهماً للفحص السريري، و100 إلى 150 درهماً للتشريح الطبي، وهي مبالغ اعتبرها البرلمانيون “مهينة” لتخصص يتطلب تكويناً علمياً دقيقاً ويتحمل مسؤولية حسم ملفات قد تحدد مصير أشخاص أمام القضاء.
وفي المقابل، أكدت وزارة العدل أنها بصدد إعداد مشروع جديد للمصاريف القضائية يهدف إلى مراجعة هذه التعويضات وتحسين الوضعية المهنية للأطباء الشرعيين، أملاً في الحد من العزوف المتزايد عن هذا التخصص واستقطاب كفاءات جديدة إليه.
ودعا التقرير إلى مراجعة القانون رقم 77.17 المنظم لمهنة الطب الشرعي، مع توسيع العرض التكويني بكليات الطب والمراكز الاستشفائية الجامعية، وتحديث التجهيزات، وتوفير الموارد البشرية الكافية، بما يضمن استقلالية الطبيب الشرعي وجودة الخبرة الطبية، ويكرس شروط المحاكمة العادلة.
ويؤكد هذا التقرير أن أزمة الطب الشرعي لم تعد مجرد إشكال مهني أو إداري، بل تحولت إلى تحدٍ حقيقي يمس صميم العدالة الجنائية. فحين يصبح كشف الحقيقة رهيناً بعدد محدود من الأطباء، وتجهيزات متقادمة، وتعويضات لا تليق بحجم المسؤولية، فإن الخاسر الأول هو ثقة المواطن في العدالة، التي لا يمكن أن تحقق الإنصاف دون طب شرعي قوي، مستقل، ومؤهل لمواكبة تعقيدات الجريمة الحديثة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد