بيد الله أم المنصوري؟ الكنبوري يقلب معادلة رئاسة الحكومة ويفتح سيناريو رئيسة الحكومة

هبة زووم – الرباط
لم تعد النقاشات التي أعقبت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر تدور فقط حول من تصدر ومن حل ثانياً، بعدما انتقل الجدل سريعاً إلى السؤال الأكثر حساسية: من سيقود الحكومة المقبلة بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعداً؟
وفي تدوينة جديدة، واصل الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري تفاعله مع مخرجات الانتخابات، وهذه المرة من بوابة رئاسة الحكومة، مقدماً قراءة مختلفة عن السيناريوهات التي بدأت تتداول خلال الأيام الأخيرة، ومرجحاً أن يكون اسم فاطمة الزهراء المنصوري هو الأقرب، في نظره، لتولي رئاسة الحكومة المقبلة باسم حزب الأصالة والمعاصرة.
الكنبوري بنى قراءته على مجموعة من الاعتبارات السياسية والرمزية والدولية، معتبراً أن الانتخابات الحالية لا ينبغي قراءتها فقط من زاوية تشكيل أغلبية حكومية، وإنما أيضاً ضمن سياق دولي يسعى فيه المغرب، بحسب تقديره، إلى تقديم صورة عن «الأصالة والمعاصرة» والانفتاح والتحديث.
ويذهب صاحب التدوينة إلى أن اختيار امرأة لرئاسة الحكومة يمكن أن يشكل، من وجهة نظره، رسالة سياسية ودولية قوية، خصوصاً في بلد ذي خصوصية دستورية ودينية تتمثل في مؤسسة إمارة المؤمنين، معتبراً أن الجمع بين هذه الخصوصية وبين وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة سيكون قابلاً للتقديم باعتباره نموذجاً للمزاوجة بين المرجعية التقليدية ومسارات التحديث.
غير أن هذه القراءة تضعنا أمام سؤال أكبر: هل يمكن فعلاً أن تتحول رئاسة الحكومة إلى جزء من صورة المغرب الدولية، أم أن اختيار رئيس الحكومة سيظل، قبل كل شيء، خاضعاً لمنطق المؤسسات والتحالفات والاعتبارات السياسية والدستورية؟
المؤكد إلى حدود الساعة أن حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج النهائية بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65، فيما حصل العدالة والتنمية على 54 مقعداً. لكن تصدر الانتخابات لا يعني، في حد ذاته، أن اسم رئيس الحكومة أصبح محسوماً.
واللافت أن المنصوري نفسها، بعد إعلان النتائج، رفضت تقديم ترشيحها كأمر واقع، مؤكدة أن تعيين رئيس الحكومة يدخل في الاختصاصات الملكية، ومصرحة بأنه إذا طلب منها الملك تحمل المسؤولية “سيكون لها شرف كبير بذلك”.
وهنا تكتسب تدوينة الباحث أهميتها: فهي لا تأتي في فراغ، بل في لحظة أصبح فيها اسم المنصوري نفسه مطروحاً علناً، ولو من زاوية الاستعداد لتحمل المسؤولية إذا وقع الاختيار عليها.
ومن بين المرتكزات التي استند إليها الباحث في قراءته، ملف مدونة الأسرة، إذ يرى أن الكشف عن الصيغة الجديدة للمدونة في عهد حكومة تقودها امرأة يمكن أن يمنح هذه الحكومة، والحزب الذي يقودها، حضوراً سياسياً ورمزياً قوياً، خصوصاً إذا تزامن الإصلاح مع لحظة دولية تحظى فيها قضايا المرأة والأسرة والحريات باهتمام واسع.
بل يذهب الباحث إلى احتمال تأخير الكشف عن المدونة الجديدة إلى توقيت يجعلها حدثاً دولياً، مستحضراً ما رافق تعديل مدونة الأحوال الشخصية سنة 2004 من اهتمام إعلامي وأكاديمي وحقوقي واسع.
وهذه النقطة، بصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف معها، تفتح نقاشاً سياسياً مهماً: هل الإصلاحات الاجتماعية الكبرى تُدار بمنطق الاستحقاق الوطني أولاً، أم يمكن أن تدخل أيضاً ضمن حسابات التوقيت السياسي والصورة الدولية؟
فمدونة الأسرة ليست مجرد ورقة انتخابية أو حكومية؛ إنها نص يمس بنية الأسرة المغربية وعلاقاتها وحقوق أفرادها، وبالتالي فإن أي تعديل فيها يفترض أن يخضع لنقاش مؤسساتي ومجتمعي واسع، بعيداً عن اختزالها في مجرد «هدية» سياسية لهذا الحزب أو ذاك.
ويضيف الدكتور إدريس الكنبوري إلى فرضيته عاملاً آخر، يتمثل في كون تعيين امرأة على رأس الحكومة قد يلقى ترحيباً من جزء من الحركة النسائية، بما قد يمنح الدولة والحكومة المقبلة سنداً سياسياً وحقوقياً في عدد من الملفات المرتبطة بالمرأة والحريات.
فالمنصوري أصبحت بالفعل من الأسماء المطروحة للنقاش بعد تصدر حزبها، لكنها ليست وحدها في المشهد، كما أن تحديد رئيس الحكومة لا يتم وفق استطلاع للرأي أو وفق قوة التداول الإعلامي للأسماء.
والأهم أن حزب الأصالة والمعاصرة نفسه دخل المرحلة الجديدة وهو أمام مهمة أكثر تعقيداً من مجرد تسمية شخصية لرئاسة الحكومة: بناء أغلبية قادرة على تحمل المسؤولية الحكومية.
فـ97 مقعداً تمنح الحزب موقع الصدارة، لكنها لا تمنحه أغلبية مطلقة داخل مجلس النواب، ما يعني أن أي حكومة مقبلة ستحتاج إلى تحالفات وتفاهمات مع أحزاب أخرى.
ولعل أكثر أجزاء التدوينة إثارة للجدل هو خاتمتها، حين يطرح الباحث سؤالاً بصيغة ساخرة حول ما إذا كانت حكومة المنصوري، في حال تحقق السيناريو، ستكون “عطوفة على الفقراء أم على الفراقشية كما كانت حكومة الرجل أخنوش؟”.
وهو سؤال يحمل موقفاً نقدياً واضحاً من التجربة الحكومية السابقة، لكنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام السؤال الأهم الذي سيواجه أي رئيس حكومة مقبل، رجلاً كان أم امرأة: هل ستنجح الحكومة المقبلة في ترجمة الوعود الانتخابية إلى سياسات ملموسة تمس القدرة الشرائية والخدمات العمومية وفرص الشغل، أم ستظل الأولوية للخطاب السياسي والصورة والتموقع؟
فالناخب المغربي الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع لا ينتظر فقط تغيير الاسم الموجود في واجهة الحكومة، وإنما ينتظر نتائج ملموسة في حياته اليومية.
ومن هنا، فإن النقاش حول المنصوري لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول كونها امرأة فقط، كما لا ينبغي أن يتحول النقاش حول أي اسم آخر إلى مجرد مفاضلة شخصية.
السؤال الحقيقي هو: أي حكومة ستتشكل؟ بأي أغلبية؟ وبأي برنامج؟ ومن سيقودها؟ وكيف ستتعامل مع معارضة برلمانية أعادتها الانتخابات إلى الواجهة؟
أما فرضية أن تكون فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة تقود الحكومة المغربية، فهي اليوم سيناريو سياسي مطروح للنقاش بقوة أكبر بعد تصريحها بأنها ستتحمل المسؤولية إذا وقع عليها الاختيار، لكنها ليست قراراً متخذاً.
وبين اسم المنصوري وأسماء أخرى جرى تداولها، وبين حسابات الحزب المتصدر وحسابات التحالفات، يبقى القرار النهائي مرتبطاً بالمسار الدستوري الذي يلي الانتخابات.
وفي انتظار اتضاح الصورة، يبدو أن سباق رئاسة الحكومة بدأ يأخذ شكلاً جديداً: لم يعد السؤال فقط من يملك أكبر عدد من المقاعد، بل أي شخصية يمكن أن تحمل ثقل المرحلة المقبلة، وتجمع حولها أغلبية قادرة على الحكم، وتواجه في الوقت نفسه أسئلة الداخل ورسائل الخارج؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد