هبة زووم – الرباط
مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، عاد النقاش حول مفهوم «الحداثة» إلى واجهة الخطاب السياسي المغربي، خصوصاً بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، في سابقة هي الأولى من نوعها في المغرب، وقد بدأت المنصوري، التي يقود حزبها الأصالة والمعاصرة المشاورات لتشكيل الأغلبية، لقاءاتها مع الأحزاب السياسية مباشرة بعد تكليفها.
وفي خضم هذا النقاش، اختار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري مقاربة نقدية حادة، متسائلاً عن حدود استعمال كلمة «الحداثة» في توصيف المرحلة المقبلة، وما إذا كان وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة كافياً وحده لإعادة تقديم المشهد السياسي والحكومي باعتباره انتقالاً حداثياً.
الكنبوري يرى أن كلمة «الحداثة» عادت إلى التداول بقوة مع تعيين المنصوري، وأنها باتت ــ بحسب قراءته ــ مصطلحاً واسعاً إلى درجة فقدان دقته، فالمشكلة بالنسبة إليه ليست في أن تكون هناك امرأة على رأس الحكومة؛ بل في أن يتحول هذا المعطى، في حد ذاته، إلى معيار كافٍ لوصف الحكومة بأنها «حداثية».
وهو سؤال سياسي يستحق النقاش: هل الحداثة مجرد تغيير في الواجهة، أم أنها منظومة كاملة من الديمقراطية والحرية والنزاهة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ فإذا كانت الحداثة تعني فقط أن تتولى امرأة رئاسة الحكومة، فإن المفهوم يصبح أضيق بكثير من دلالاته السياسية والفكرية والاجتماعية.
الكنبوري يذهب أبعد من ذلك، حين يقرأ المشاورات الجارية باعتبارها مؤشراً محتملاً على استمرار عدد من مكونات الأغلبية السابقة داخل التركيبة الحكومية المقبلة.
فعلياً، بدأت المنصوري مشاوراتها بلقاءات مع عدد من الأحزاب، من بينها التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، فيما لم تُحسم بعد تركيبة الأغلبية الجديدة أو الصيغة النهائية للحكومة.
ومن هنا يبني الباحث سؤاله المركزي: إذا عادت مكونات أساسية من المرحلة السابقة إلى الحكومة الجديدة، فهل يكفي تغيير رئيس الحكومة لتغيير طبيعة المرحلة؟
السؤال لا يتعلق بالأسماء فقط، وإنما بما إذا كانت الحكومة المقبلة ستأتي ببرنامج جديد، وأولويات جديدة، وآليات جديدة في التدبير، أم أن الأمر سيقتصر على إعادة ترتيب التحالفات والحقائب مع تقديم المرحلة بلغة سياسية جديدة.
لا شك أن تعيين المنصوري يمثل تحولاً تاريخياً من زاوية تمثيل المرأة في أعلى منصب حكومي، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، لكن الكنبوري يرفض، في تدوينته، اختزال الحداثة في هذا البعد وحده.
وهنا يفتح الباحث باباً أوسع للنقاش: ماذا يعني أن تكون الحكومة «حداثية»؟ هل يكفي الحضور النسائي؟ أم أن الأمر يتطلب أيضاً ديمقراطية فعلية، وشفافية، ونزاهة، وحريات، ومؤسسات قوية، وربطاً واضحاً بين المسؤولية والمحاسبة؟
فامرأة على رأس الحكومة يمكن أن تكون مؤشراً مهماً على تطور تمثيلية النساء، لكنها لا تختصر وحدها مفهوم الحداثة السياسية بكل تعقيداته.
في أكثر مقاطع تدوينته إثارة للجدل، يستحضر الكنبوري التحولات التي عرفتها علاقة بعض الأحزاب السياسية ببعضها البعض، متوقفاً عند حزب الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
ويستحضر في هذا السياق وصف إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، تعيين المنصوري بأنه «مكسب حداثي»، ليطرح تساؤلات حول تبدل المواقع والخطابات بين مرحلة وأخرى.
لكن هذا التبدل، في حد ذاته، ليس بالضرورة أمراً استثنائياً في السياسة؛ فالأحزاب تعيد تقييم تحالفاتها ومواقفها وفق التحولات الانتخابية والسياسية.
السؤال الحقيقي هو: هل تغير المواقف يعكس تغيراً في الأفكار والسياسات، أم أن المصطلحات السياسية نفسها أصبحت قابلة لإعادة التوظيف بحسب موقع الحزب داخل الخريطة الجديدة؟
الجزء الأكثر فكرية في تدوينة الكنبوري ينصرف إلى مفهوم «الحداثيين» أنفسهم، فالباحث يرى أن استعمال المصطلح في المغرب لا يشير بالضرورة إلى تيار سياسي أو فكري متجانس، بل يجمع أطيافاً مختلفة، تتقاطع أحياناً حول مواقف من الإسلاميين أو الدين أو الدولة أو قضايا اجتماعية وثقافية مختلفة.
ومن هنا ينتقد ما يعتبره غموضاً في استعمال المصطلح، متسائلاً عن المعايير التي تجعل شخصاً أو حزباً أو حكومة «حداثية»، فإذا كانت الحداثة تعني الديمقراطية، والحريات، والنزاهة، والحكامة، وتكافؤ الفرص، واحترام القانون، فهذه معايير قابلة للنقاش والتقييم، أما إذا أصبحت مجرد بطاقة تعريف سياسية تُمنح بحسب الموقع من الخريطة الحزبية، فإن الكلمة تفقد الكثير من معناها.
المشكلة التي يطرحها الكنبوري تتجاوز الجدل اللغوي حول كلمة «الحداثة»، فالاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة سيكون في الملفات التي تهم المواطن مباشرة: القدرة الشرائية، التشغيل، الصحة، التعليم، الإدارة، محاربة الفساد، جودة الخدمات العمومية، العدالة الاجتماعية، والثقة في المؤسسات.
وهنا لن يكون المواطن معنياً كثيراً بما إذا كانت الحكومة توصف بأنها «حداثية» أو «محافظة» أو «اجتماعية»، سيكون معنياً بالنتيجة، هل تحسن دخله؟ هل وجد شغلاً؟ هل حصل على خدمة صحية محترمة؟ هل تحسنت المدرسة العمومية؟ هل أصبحت الإدارة أكثر سرعة وشفافية؟ وهل يشعر بأن المال العام يخضع للمراقبة والمساءلة؟
في ختام تدوينته، يستعير الكنبوري الشعار الشهير من الانتخابات الأميركية لسنة 1992، حين كان شعار حملة بيل كلينتون «إنه الاقتصاد يا غبي»، ليعيد صياغته مغربياً: «إنه المغرب يا غبي»، والمغزى الذي يريد الباحث إبرازه واضح: مهما تعددت الشعارات والمصطلحات، فإن السياسة في النهاية تصطدم بالواقع.
فالحداثة التي لا تنعكس على حياة المواطن تظل شعاراً، والديمقراطية التي لا تنتج ثقة تظل عنواناً، والحكامة التي لا تمنع هدر المال العام تظل خطاباً، والحكومة، مهما تغير اسمها أو لونها أو رئيسها، ستظل مطالبة بتقديم حصيلة قابلة للقياس والمساءلة.
وبينما تواصل فاطمة الزهراء المنصوري مشاوراتها لتشكيل الحكومة الجديدة، يبقى الرهان الحقيقي في ما ستقوله هذه الحكومة للمغاربة، والأهم: ماذا ستفعل لهم؟
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى قاموس سياسي جديد، بل إلى سياسات عمومية تجعل المواطن يلمس الفرق في حياته اليومية، وهنا بالضبط يبدأ الاختبار الحقيقي للحداثة، بعيداً عن الألقاب والشعارات.
تعليقات الزوار