هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، يختار الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي يحيى اليحياوي الاقتراب من ملف الصحراء المغربية من زاوية الأسئلة أكثر من الأجوبة، واضعاً التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء الغربية تحت مجهر القراءة والتأويل، ومتوقفاً عند مفردات يرى أنها تستحق أكثر من مجرد المرور عليها في نشرات الأخبار.
فالتقرير الأممي S/2026/781 صدر في الأول من أكتوبر الجاري، وهو بالفعل التقرير السنوي المتعلق بالوضع في الصحراء الغربية وببعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو».
ومن بين أكثر النقاط التي استوقفت اليحياوي ما ورد بشأن إمكانية إنشاء “مجلس انتقالي”، باعتباره إطاراً محتملاً لتدبير عدد من المسارات الانتقالية وتوفير قاعدة للتفاوض حول تفاصيل حل سياسي.
وهنا يطرح الباحث سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام مجرد آلية تفاوضية مؤقتة، أم أن الأمر يؤشر إلى إعادة هندسة كاملة للمسار السياسي؟
التدقيق في التقرير يقود إلى نتيجة أكثر حذراً: الحديث عن مجلس انتقالي لا يعني أن مجلساً من هذا النوع قد أُنشئ فعلاً، ولا أن المرحلة الانتقالية أصبحت قراراً نافذاً. وإنما يتعلق الأمر بعنصر جرى بحثه ضمن هندسة محتملة للتسوية. كما أن التقرير لا يقدم حلاً نهائياً ولا يعلن اتفاق الأطراف على صيغة محددة.
لكن أهمية المسألة تكمن في أن مجرد انتقال النقاش الأممي إلى تفاصيل من قبيل المرحلة الانتقالية، وضمانات التنفيذ، وترتيبات الحكم، والموارد، والأمن والانتخابات يكشف أن المفاوضات دخلت مستوى أكثر تركيباً من مجرد تكرار العبارات الدبلوماسية التقليدية.
وهنا بالضبط يبدأ قلق اليحياوي، فهو يرى أن العودة إلى عبارات من قبيل «حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف» قد توحي، في قراءته، بأن الملف عاد إلى منطقة الأسئلة الكبرى التي ظلت عالقة لعقود.
النقطة الثانية التي يتوقف عندها اليحياوي أكثر حساسية، وتتعلق بمقترح الحكم الذاتي، فالتقرير يؤكد أن مقترح الحكم الذاتي المغربي أصبح محوراً أساسياً في الإطار التفاوضي الجديد، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن ضرورة أن يستجيب أي مقترح للحكم الذاتي لـ”أعلى المعايير الدولية”، وعن الحاجة إلى ضمانات دولية قوية خلال الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي، فضلاً عن عملية تشاور ذات مغزى مع الصحراويين في إطار مبدأ تقرير المصير.
وهنا يطرح اليحياوي سلسلة من الأسئلة: ماذا تعني تحديداً عبارة «أعلى المعايير الدولية»؟ وما المقصود بـ«تشاور ذي مغزى»؟ وهل نحن أمام تصور جديد لتفعيل مبدأ تقرير المصير، أم أمام إعادة صياغة للمفهوم نفسه داخل تسوية تقوم على الحكم الذاتي؟
غير أن المعطى الذي ينبغي التوقف عنده هو أن التقرير لا يقول إن مبدأ تقرير المصير أُلغي، ولا يقول في المقابل إن الاستفتاء التقليدي أصبح الصيغة المعتمدة، بل يبقي المبدأ ضمن الإطار العام، في الوقت الذي يدفع فيه باتجاه استكشاف إمكانية الحكم الذاتي باعتباره إحدى صيغ الحل المطروحة.
وهذه النقطة تحديداً تجعل الملف أكثر تعقيداً، لا أقل، فالمعركة الدبلوماسية لم تعد فقط حول سؤال: «الحكم الذاتي أم الاستفتاء؟»، وإنما باتت تشمل أسئلة أكثر تفصيلاً: ما طبيعة الحكم الذاتي؟ ما الضمانات؟ من يشارك في صياغته؟ كيف تتم استشارة السكان؟ وما الآليات التي ستضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه؟
أما السؤال الثالث الذي يطرحه اليحياوي فيتعلق بالدور الأميركي، فالولايات المتحدة لعبت خلال المرحلة الأخيرة دوراً أكثر حضوراً في المسار التفاوضي، وهو ما يظهر أيضاً في التقرير الأممي الذي يشير إلى مشاركة واشنطن في رعاية الجولات والمساهمة في بلورة إطار للتفاوض.
لكن اليحياوي يعيد طرح السؤال من زاوية مختلفة: ماذا حدث للوعد الأميركي بحل سريع؟ وهل أدى الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء في دجنبر 2020 إلى النتيجة التي كان ينتظرها جزء من الرأي العام المغربي؟
الموقف الأميركي المعلن ظل، في السنوات الماضية، يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية **«جادة وذات مصداقية وواقعية»** وأحد الأساليب الممكنة لتلبية تطلعات سكان المنطقة، مع دعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة.
لكن الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية على الصحراء لم يتحول تلقائياً إلى نهاية للنزاع، وهو ما يفسر استمرار المسار الأممي والتفاوضي، ومن هنا تأتي ملاحظة اليحياوي بأن ما يعرض على الأطراف قد لا يكون «حلاً» بالمعنى النهائي، وإنما سلسلة من «متاهات الحلول»، كما سماها.
ورغم قتامة القراءة التي يقدمها اليحياوي، فإن المعطيات الرسمية المتاحة لا تسمح بالقول إن الملف عاد ببساطة إلى «المربع صفر»، فالتقرير الجديد يأتي في سياق مختلف عن مراحل سابقة، إذ أصبحت مبادرة الحكم الذاتي المغربية حاضرة بقوة في النقاش التفاوضي، فيما يجري بحث ترتيبات انتقالية وضمانات وآليات تنفيذ محتملة. وفي الوقت نفسه، لا توجد تسوية نهائية معلنة، ولا اتفاق نهائي حول شكل الحكم أو طبيعة الضمانات أو كيفية تفعيل التشاور.
بل إن التقرير نفسه يوصي باستمرار بعثة «مينورسو» مع ربط مستقبل ولايتها بتطورات المسار السياسي، وهو ما يؤكد أن المرحلة الحالية لا تزال مرحلة تفاوض وبحث عن تسوية، وليست مرحلة تنفيذ اتفاق نهائي.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تثيره تدوينة اليحياوي قد لا يكون: هل عدنا إلى المربع صفر؟ بل ربما يكون أكثر دقة: إلى أي مربع جديد انتقل الملف؟
فبين الحكم الذاتي وتقرير المصير، وبين الضمانات الدولية والتشاور، وبين الدور الأميركي والمسار الأممي، وبين فكرة الانتقال وإمكانية إنشاء مجلس انتقالي، أصبحت تفاصيل التسوية نفسها جزءاً من المعركة الدبلوماسية.
وهذا ما يجعل الملف، بالنسبة إلى الرأي العام المغربي، أكثر حاجة إلى الشرح والوضوح، لا إلى الاكتفاء باللغة الدبلوماسية الثقيلة، فكلما ظهرت عبارة جديدة في تقرير أممي، يحق للرأي العام أن يسأل: ماذا تعني؟ ومن اقترحها؟ وما حدودها؟ وما الذي تغير فعلاً على أرض الواقع؟
تعليقات الزوار