من القبلات إلى “الدستور غير المكتوب”.. الكنبوري يفتح جدل صورة رئيسة الحكومة

هبة زووم – الرباط
لم تنتظر فاطمة الزهراء المنصوري طويلاً حتى تتحول بعض تفاصيل ظهورها العلني بعد تعيينها رئيسة للحكومة إلى موضوع سجال سياسي ومجتمعي، بعدما اختار الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري أن يفتح، من خلال تدوينة جديدة، نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية للمسؤول العمومي وبين متطلبات الصورة التي تفرضها الوظيفة الرسمية.
الكنبوري لم يتعامل مع المشاهد التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد لحظات احتفالية عابرة، بل اعتبر أن انتقال المنصوري إلى رئاسة الحكومة يفرض، في تقديره، إعادة النظر في بعض السلوكيات التي قد تكون عادية داخل الأطر الحزبية والاجتماعية، لكنها تصبح، بحسب رأيه، أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بشخصية توجد في أعلى هرم السلطة التنفيذية.
وتأتي هذه الانتقادات في سياق غير مسبوق سياسياً، إذ أصبحت المنصوري، منذ تعيينها في 29 شتنبر 2026، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية. وقد تم تعيينها رسمياً بمقتضى الفصل 47 من الدستور وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
جوهر طرح الكنبوري لا يتعلق فقط بالقبلات والعناق التي ظهرت في مقاطع متداولة، وإنما بالسؤال الأوسع حول ما إذا كان انتقال السياسي من موقع حزبي إلى موقع رسمي رفيع يفرض عليه نمطاً مختلفاً من السلوك أمام الكاميرات.
ويرى الكنبوري أن ما يمكن اعتباره، داخل الحياة الحزبية، شأناً شخصياً أو اجتماعياً، يصبح أكثر قابلية للتأويل عندما يتعلق الأمر برئيسة حكومة تتابعها وسائل الإعلام، وتخضع تحركاتها وظهورها العلني لمراقبة واسعة.
ومن هذا المنطلق، دعا الباحث إلى ما سماه «التحفظ الأخلاقي»، معتبراً أن رئيسة الحكومة تمثل واجهة للمؤسسة التنفيذية، وأن عليها مراعاة حساسية مجتمع مغربي تتباين داخله النظرة إلى مظاهر التقارب الجسدي بين الرجال والنساء، لكن هذا الطرح يفتح في المقابل نقاشاً آخر: أين تنتهي مقتضيات الوظيفة العمومية وتبدأ الحرية الشخصية للمسؤول السياسي؟
فالدستور المغربي ينظم طريقة تعيين رئيس الحكومة واختصاصاته وعلاقته بباقي المؤسسات، لكنه لا يضع، بحسب ما هو ظاهر في النصوص الدستورية ذات الصلة، مدونة تفصيلية للسلوك الاجتماعي لرئيس الحكومة في حياته العامة، وهنا يصبح النقاش أقرب إلى المجال المجتمعي والثقافي منه إلى المجال الدستوري المباشر.
أكثر أجزاء تدوينة الكنبوري إثارة للجدل هو حديثه عن وجود «دستور غير مكتوب» يتمثل في التقاليد المغربية المحافظة، ودعوته إلى احترامه بالتوازي مع احترام الدستور المكتوب.
وهذه الفكرة تطرح سؤالاً يتجاوز شخص المنصوري: هل ينبغي للمسؤول العمومي أن يخضع لمعيار اجتماعي موحد في مظهره وسلوكه، أم أن المعيار الذي يحكم أداءه هو الدستور والقانون والأعراف البروتوكولية الرسمية؟
فالمنصوري لم تصل إلى رئاسة الحكومة باعتبارها استثناءً خارج المؤسسات، وإنما بموجب المسطرة الدستورية نفسها التي تحكم تعيين رئيس الحكومة. كما أن كونها أول امرأة تتولى المنصب يجعل ظهورها محل اهتمام واسع، لكنه لا ينشئ، في حد ذاته، قواعد دستورية خاصة بسلوكها لكونها امرأة.
ومن هنا، فإن تحويل النقاش إلى سؤال عن «طريقة لباس المرأة» أو «مقدار الزينة» أو مظاهر التعامل الاجتماعي معها، كما ذهب إليه الكنبوري، يوسع دائرة الجدل من سلوك محدد أمام الكاميرات إلى سؤال يتعلق بصورة المرأة في المجال السياسي نفسه.
قد يكون من المشروع سياسياً وإعلامياً مناقشة الصورة العامة التي يقدمها المسؤولون أمام المواطنين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس الحكومة. لكن يبقى من الضروري التمييز بين النقد السياسي وبين وضع قواعد اجتماعية غير مكتوبة تتحول إلى معيار للحكم على المسؤول.
فرئاسة الحكومة تفرض بلا شك مسؤوليات بروتوكولية ومؤسساتية، لكن الاختبار الحقيقي لأي رئيس حكومة يظل في قدرته على تدبير السياسات العمومية، واحترام القانون، وتقديم أجوبة عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وتحمل المسؤولية السياسية أمام البرلمان والرأي العام.
أما تفاصيل التحية والعناق والقبلات، فإنها يمكن أن تكون موضوعاً لنقاش ثقافي وأخلاقي مشروع، لكنها لا ينبغي أن تحجب الأسئلة الأكبر التي تنتظر الحكومة الجديدة منذ لحظة تشكيلها.
تعيين المنصوري يحمل دلالة سياسية وتاريخية واضحة باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية، وهو ما يجعل أي ظهور لها محط اهتمام مضاعف. لكن نجاح هذه التجربة أو تقييمها لن يحسمه شكل المصافحة أو التحية أمام الكاميرات، بل ما ستفعله الحكومة في الملفات التي تنتظرها.
وبدل أن تتحول بداية العهد الحكومي الجديد إلى معركة حول القبلات والعناق واللباس، فإن النقاش الأكثر أهمية يبقى في مكان آخر: كيف ستدير المنصوري الأغلبية؟ ما طبيعة حكومتها؟ ما أولوياتها الاجتماعية والاقتصادية؟ وكيف ستتعامل مع المعارضة؟ وما الذي ستقدمه للمغاربة الذين ينتظرون نتائج ملموسة؟
أما تدوينة الكنبوري، فقد أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع من شخص رئيسة الحكومة: هل المسؤول العمومي مطالب فقط باحترام القانون والمؤسسات، أم أن المجتمع ينتظر منه أيضاً الالتزام بمعايير سلوكية وأخلاقية تختلف باختلاف موقعه؟
ذلك سؤال مفتوح للنقاش، لكن الإجابة عنه ينبغي أن تظل قائمة على التمييز بين القاعدة القانونية، والعرف الاجتماعي، والاختيار الشخصي، حتى لا يتحول الاختلاف في السلوك إلى معيار للحكم على الكفاءة السياسية أو على حق المرأة في تولي أعلى المناصب التنفيذية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد