في عهد الوالي التازي.. الحكامة بطنجة تحتاج إلى إعلام يعكس الواقع لا إلى مرايا تلمّع الصورة؟
هبة زووم – إلياس الراشدي
لا تُقاس الحكامة الجيدة بكثرة الاجتماعات واللقاءات، ولا بعدد الصور التي توثق لحضور المسؤولين، وإنما بقدرة الإدارة على الوصول إلى المعلومة الحقيقية، وتشخيص مكامن الخلل، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
ومن هذه الزاوية، يفرض واقع مدينة طنجة، التي تعرف دينامية عمرانية واقتصادية وسكانية متسارعة، سؤالاً مشروعاً حول طبيعة العلاقة بين الإدارة الترابية والإعلام المحلي، وحول ما إذا كانت المعلومة التي تصل إلى دوائر القرار تعكس فعلاً ما يجري في الشارع، أم أنها تمر أحياناً عبر مرشحات تجعل الصورة أكثر وردية من الواقع.
والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يونس التازي، ظهر خلال السنة الجارية في عدد من اللقاءات والأنشطة المرتبطة بالتواصل مع وسائل الإعلام والفاعلين السياسيين، من بينها لقاء مع إعلاميين وصحافيين بطنجة، فضلاً عن اجتماعات مع المرشحين ووكلاء اللوائح خلال التحضير للاستحقاقات التشريعية، في إطار مناقشة الجوانب التنظيمية والضوابط المؤطرة للعملية الانتخابية.
لكن التواصل المؤسساتي، مهما كانت صيغته، لا يحقق غايته إذا لم يكن قادراً على نقل الصورة الكاملة إلى المسؤول، بما فيها الجوانب المضيئة ومواطن الخلل على حد سواء.
فالإعلام المحلي، في جوهر وظيفته، ليس جهاز علاقات عامة للإدارة، ولا منصة للتصفيق للمسؤولين، كما أنه ليس خصماً لهم. دوره الطبيعي أن يكون مرآة عاكسة للمشهد، ينقل ما يسير بشكل جيد، لكنه في الوقت نفسه يضع الإصبع على الجرح عندما تظهر اختلالات تمس حياة المواطنين.
المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المرآة إلى أداة لتلميع الصورة، فيصبح المسؤول محاطاً بتقارير المديح، وتختفي من أمامه الأصوات المنتقدة والأسئلة المزعجة، فينشأ فارق خطير بين ما يقال داخل المكاتب وما يعيشه المواطن في الشارع.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص بعينه، ولا بتوجيه اتهام إلى مؤسسة بعينها، وإنما بقاعدة بسيطة في تدبير الشأن العام: المسؤول الذي لا تصله المعلومة غير المريحة قد يتخذ قراراً صحيحاً بناءً على صورة ناقصة.
وطنجة، بما تعرفه من مشاريع وأوراش وتحديات اجتماعية ومجالية، تحتاج إلى نقاش عمومي لا يخاف من طرح الأسئلة. فكلما اتسعت المدينة وتعقدت مصالحها، أصبحت الحاجة أكبر إلى إعلام مهني مستقل، وإلى مجتمع مدني قادر على التنبيه، وإلى قنوات مؤسساتية تستقبل النقد باعتباره أداة للتصحيح لا تهديداً للمسؤول.
الحكامة لا تعني أن تختفي المشاكل من العناوين، بل تعني أن تكون الإدارة قادرة على رصدها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات.
كما أن الانتقاد لا يعني بالضرورة معارضة الإدارة، والمديح لا يعني بالضرورة نجاحها. وبين الاثنين توجد مساحة أساسية هي مساحة المعلومة الدقيقة، والمساءلة، والوثيقة، والمعاينة الميدانية.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل تتمكن الإدارة الترابية بطنجة من بناء منظومة تواصل تضمن وصول الأصوات المختلفة إليها، بما فيها تلك التي لا تقول ما يود المسؤول سماعه؟
هذا السؤال يكتسب أهميته أيضاً بالنظر إلى وجود ملفات محلية أثارت خلال السنة الجارية نقاشاً حول الحكامة وتدبير بعض الشؤون الجماعية، من بينها مراسلات لفرق المعارضة بشأن اتفاقية مالية مثيرة للجدل داخل مجلس جماعة طنجة، وهي وقائع تُظهر أن النقاش حول الحكامة ليس ترفاً إعلامياً، وإنما جزء من الحياة المؤسساتية اليومية للمدينة.
وفي المقابل، فإن تحميل الوالي شخصياً مسؤولية كل اختلال يقع داخل المجال الترابي سيكون تبسيطاً غير دقيق، بالنظر إلى تعدد المؤسسات والقطاعات والمتدخلين في تدبير مدينة بحجم طنجة. لذلك فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: من المسؤول عن كل شيء؟ وإنما: هل توجد آليات فعالة لرصد الاختلالات وتحديد المسؤوليات والتدخل في الوقت المناسب؟
المروءة السياسية لا تحتاج إلى خطب طويلة، والحكامة لا تحتاج إلى زخرف لغوي. ما تحتاجه هو وضوح المعلومة، صراحة التقارير، جرأة النقد، وسرعة التصحيح.
أما عندما يسود منطق المجاملة، ويصبح المنتقد مزعجاً، وتتحول الأسئلة إلى إحراجات ينبغي تفاديها، فإن الخطر لا يكون على الصحافة وحدها، بل على المسؤول نفسه، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لصانع القرار هو أن يحيط نفسه بصورة غير حقيقية عن الواقع.
وفي نهاية المطاف، لا تحتاج طنجة إلى إعلام يردد ما يُقال داخل المكاتب، ولا إلى إعلام يحول كل قرار إداري إلى مادة للهجوم؛ بل تحتاج إلى إعلام يضع الوقائع أمام الرأي العام، ويوصل انشغالات المواطنين إلى المسؤولين، ويشيد عندما يكون هناك ما يستحق الإشادة، وينتقد عندما يكون النقد ضرورياً، وهنا تكمن قيمة الصحافة المحلية الحقيقية: أن تكون عيوناً مفتوحة على المدينة، لا مرايا مصقولة تعكس فقط الصورة التي يريد البعض رؤيتها.
أما الحكامة، فتبقى في نهاية المطاف أكبر من الأشخاص والأسماء؛ إنها امتحان يومي يقاس بقدرة المؤسسات على سماع الأصوات المختلفة، الاعتراف بمواطن الخلل، وتصحيح المسار قبل أن يتحول الخلل الصغير إلى أزمة كبيرة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحاً أمام والي الجهة وباقي المسؤولين بطنجة ليس ما إذا كان هناك من يمدحهم، وإنما هل تصل إليهم، بالسرعة نفسها، أصوات المواطنين الذين يشتكون، والصحافيين الذين ينتقدون، والفعاليات التي تنبه إلى مكامن الخلل؟ فمن دون هذه الأصوات، قد تبدو المدينة بخير في التقارير، بينما تقول تفاصيل الحياة اليومية شيئاً آخر.