214 عضواً و40 حاضراً فقط.. من يحاسب الغائبين عن تدبير الدار البيضاء – سطات للتوزيع؟

هبة زووم – الدار البيضاء
لم تحتج دورة أكتوبر لمجموعة الجماعات الترابية “الدار البيضاء سطات للتوزيع” إلى نقاش طويل كي تكشف واحدة من أكثر الإشكالات إثارة للانتباه في تدبير المؤسسات الترابية: أغلبية الأعضاء غابت، والنصاب القانوني لم يكتمل، والدورة التي كان يفترض أن تناقش ميزانية واستثمارات وملفات مرتبطة بخدمات أساسية انتهت إلى التأجيل.
فمن أصل 214 عضواً يمثلون أكثر من 150 جماعة ترابية، لم يحضر الجلسة الأولى من الدورة العادية لشهر أكتوبر سوى 40 عضواً، ما دفع إلى إعلان تأجيل أشغال الدورة إلى يوم الاثنين المقبل بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني.
وأعلن أبو غالي، النائب الأول لرئيسة المجموعة نبيلة الرميلي، عن تأجيل الدورة، في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول مدى التزام أعضاء مؤسسة يفترض أن تضطلع بأدوار مرتبطة بتدبير واحد من أكثر القطاعات حساسية بالنسبة للمواطنين.
فإذا كان القانون قد ربط انعقاد الدورة باكتمال النصاب، فإن السؤال السياسي والأخلاقي يبقى مفتوحاً: أين كان 174 عضواً؟ السؤال ليس موجهاً إلى الغائبين من باب التشهير، وإنما لأن الأمر يتعلق بمؤسسة جماعية تضم ممثلين عن أكثر من 150 جماعة، وكان يفترض أن تناقش ملفات مالية واستثمارية وخدماتية لا يمكن التعامل معها باعتبارها شأناً ثانوياً.
الأكثر إثارة أن الدورة لم تكن مخصصة لمناقشة قضايا هامشية، بل كان جدول أعمالها يتضمن الدراسة والتصويت على مشروع ميزانية مجموعة الجماعات الترابية “الدار البيضاء سطات للتوزيع” برسم السنة المالية 2027، أي أن مؤسسة يفترض أن تساهم في تحديد توجهاتها المالية للسنة المقبلة وجدت نفسها عاجزة عن عقد جلستها بسبب غياب أغلبية أعضائها.
وكان يفترض كذلك دراسة والتصويت على برمجة فائض ميزانية التجهيز برسم السنة المالية 2025، فضلاً عن مشروع اتفاقية لتدبير واستغلال السقايات العمومية بتراب الجماعات المكونة للمجموعة، فهل يمكن أن يكون تدبير المال العام والخدمات العمومية مؤجلاً كلما لم يحضر المنتخبون؟
وإذا كان الغياب حقاً فردياً في حالات معينة، فإن تحوله إلى غياب جماعي واسع يفرض سؤالاً أكبر حول جدية التمثيلية داخل هذه المؤسسات ومدى شعور الأعضاء بالمسؤولية تجاه المهام التي قبلوا تحملها.
المفارقة أن يوسف التازي، المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء – سطات، حضر إلى الاجتماع رفقة عدد من أطر الشركة، وكان مقرراً أن يقدم عرضاً حول تقدم إنجاز المشاريع والاستثمارات الرئيسية للشركة.
كما كان مقرراً تقديم عرض حول الاستعدادات للموسم الشتوي 2026/2027، وهو ملف لا يحتاج إلى كثير من الشرح لإدراك أهميته، بالنظر إلى المخاطر التي تطرحها التساقطات المطرية والفيضانات واضطرابات الشبكات والخدمات خلال فصل الشتاء.
بمعنى آخر، كانت المؤسسة التقنية والتنفيذية حاضرة لتقديم حصيلتها واستعداداتها، بينما غاب العدد الأكبر من الأعضاء المفترض أن يستمعوا، يناقشوا، يسألوا، ثم يصوتوا.
وهنا تحديداً تبرز المفارقة: هل المطلوب من المسؤولين التنفيذيين الحضور وتقديم الحساب، بينما يستطيع ممثلو الجماعات الغياب دون أن يترتب عن ذلك نقاش عمومي واضح حول أسباب الغياب؟
وتزداد حساسية الوضع عندما يتعلق الأمر بمجموعة مرتبطة بتدبير خدمات توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، وهي خدمات توجد في قلب الحياة اليومية للمواطنين.
فالمواطن الذي يتوصل بالفاتورة، والذي ينتظر إصلاح الأعطاب، والذي يريد خدمة مستمرة وشبكات آمنة واستثمارات ناجعة، من حقه أن يعرف أيضاً من يمثل صوته داخل المؤسسات التي تشرف على هذه الملفات.
التمثيلية ليست مجرد حضور اسم في لوائح الأعضاء، وليست امتيازاً بروتوكولياً. إنها مسؤولية تتطلب الحضور والمناقشة والاطلاع على الملفات ومساءلة القائمين على التنفيذ.
أما أن يغيب أكثر من 80 في المائة من الأعضاء عن جلسة تتضمن ميزانية واستثمارات واتفاقيات وعروضاً حول الاستعدادات الشتوية، فهذا يفتح الباب أمام سؤال مشروع حول فعالية هذه الآلية التمثيلية.
المطلوب هنا ليس إصدار أحكام مسبقة على أسباب الغياب، فقد تكون هناك مبررات قانونية أو ظروف خاصة لبعض الأعضاء. لكن اتساع حجم الغياب يجعل من الضروري تقديم توضيحات للرأي العام حول الأسباب، ومدى احترام الأعضاء لالتزاماتهم، وما إذا كانت هناك آليات فعلية لتتبع الحضور والمشاركة.
فربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يقتصر على المسؤولين التنفيذيين أو رؤساء المجالس، بل يجب أن يشمل أيضاً كل من يتحمل مسؤولية تمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة.
ومن حق المواطن أن يسأل: ما جدوى مؤسسة تضم 214 عضواً إذا لم يحضر منهم سوى 40 عضواً في جلسة مخصصة لمناقشة قضايا مالية واستثمارية وخدماتية؟
والأخطر من ذلك: هل ستتحول الجلسة المقبلة إلى مجرد محاولة لاستكمال النصاب وتمرير النقاط المؤجلة، أم سيتم الوقوف فعلاً عند ظاهرة الغياب وأسبابها؟
قانونياً، قد يكون تأجيل الدورة بسبب عدم اكتمال النصاب إجراءً عادياً. لكن سياسياً وتدبيرياً، المسألة أكبر من ذلك، فالمشكلة ليست في أن جلسة واحدة تأجلت، وإنما في الرسالة التي قد يبعثها هذا المشهد إلى المواطن: مؤسسة تضم 214 ممثلاً، لكن 174 منهم لم يكونوا حاضرين عندما كان يفترض بهم أن يمارسوا دورهم التمثيلي.
وهنا لا بد من إعادة طرح سؤال الحكامة: هل نريد مؤسسات ترابية قوية، أم مؤسسات كبيرة في عدد أعضائها وضعيفة في مستوى الحضور والمشاركة؟
الاثنين المقبل سيكون موعداً جديداً لاختبار مدى جدية المؤسسة في القيام بدورها، والمطلوب هذه المرة ليس فقط اكتمال النصاب، وإنما اكتمال المسؤولية أيضاً، فميزانية 2027 لا تنتظر، والاستثمارات لا تنتظر، والمواطن الذي يدفع مقابل خدمات الماء والكهرباء والتطهير لا ينتظر.
أما السؤال الذي سيظل معلقاً في وجه المجموعة فهو بسيط ومباشر: إذا كان 214 عضواً يمثلون أكثر من 150 جماعة، فمن يمثل المواطن عندما لا يحضر إلى القاعة سوى 40 عضواً؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد