هبة زووم – وجدة
ملايير من المال العام صُرفت باسم محاربة الباعة الجائلين، لكن الحصيلة، وفق معطيات وشكاوى متداولة محلياً، تثير أسئلة محرجة حول جدوى عدد من مشاريع الأسواق النموذجية بمدينة وجدة، بعدما تحولت بعض هذه الفضاءات إلى بنايات مهجورة تفتقر إلى التجهيزات الأساسية، فيما لا تزال ظاهرة الباعة الجائلين واحتلال الملك العمومي حاضرة بقوة في عدد من الشوارع والأحياء.
المفارقة الصادمة أن مشاريع أُعلن عنها باعتبارها مدخلاً لتنظيم التجارة غير المهيكلة، وتحسين ظروف اشتغال الباعة، وتحرير الفضاءات العمومية، أصبحت، بحسب المعطيات المتداولة، تواجه أعطاباً في الإنجاز والتجهيز والتدبير، وسط تساؤلات حول مصير الاعتمادات المالية المرصودة، ومدى مطابقة ما أُنجز فعلياً لما ورد في التصاميم والوثائق الرسمية.
كان يفترض أن تشكل الأسواق النموذجية بوجدة بديلاً عملياً عن الانتشار العشوائي للباعة الجائلين، من خلال توفير فضاءات تجارية منظمة تستجيب لشروط السلامة والنظافة والكرامة المهنية، وتسمح في الوقت نفسه بتحرير الأرصفة والشوارع من مظاهر الاحتلال غير القانوني.
غير أن واقع بعض هذه المشاريع، وفق الشكاوى المتداولة، يطرح علامات استفهام حول مدى تحقيق الأهداف التي أُحدثت من أجلها. فبدلاً من استقطاب الباعة وضمان استمرارية أنشطتهم داخل فضاءات مجهزة، تبدو بعض الأسواق عاجزة عن أداء وظيفتها، في ظل الحديث عن الإغلاق والإهمال وغياب شروط الاستغلال.
والنتيجة أن المدينة تجد نفسها أمام معادلة مختلة: بنايات أُنجزت أو خُصصت لها اعتمادات مالية، لكنها لا تؤدي الدور المنتظر منها، مقابل استمرار مظاهر البيع العشوائي واحتلال الملك العمومي، بما يطرحه ذلك من إشكالات تتعلق بالتنظيم الحضري والعدالة المجالية وفعالية السياسات المحلية.
لا تتوقف المخاوف عند تعثر استغلال هذه الأسواق، بل تمتد إلى وضعيتها المادية والبيئية. إذ تشير المعطيات المتداولة إلى وجود فضاءات تفتقر إلى الإنارة والماء الصالح للشرب، فيما تحولت بعض البنايات المهجورة إلى نقاط لتراكم النفايات والأزبال، بما قد يشجع على انتشار الحشرات والقوارض والكلاب الضالة.
كما تُثار مخاوف بشأن استغلال بعض الفضاءات غير الخاضعة للمراقبة في أنشطة غير قانونية، من بينها استهلاك الخمور والمخدرات وممارسات أخرى تستوجب التحقق والتدخل من الجهات المختصة.
وإذا تأكدت هذه المعطيات ميدانياً، فإن الأمر لن يتعلق فقط بفشل مشروع تجاري أو تعثر مرفق عمومي، بل بوضع يستدعي تدخلاً عاجلاً لحماية المحيط السكني، وضمان النظافة والسلامة، ومنع تحول البنايات العمومية إلى فضاءات للإهمال والاستغلال غير المشروع.
من أكثر النقاط إثارة للقلق ما يُتداول بشأن وجود تفاوت بين بعض التصاميم والوثائق المتعلقة بالمشاريع وبين واقعها على الأرض، إلى جانب تساؤلات حول طبيعة التجهيزات التي أُنجزت فعلياً ومدى استجابتها للمعايير المطلوبة.
وتبرز هنا ضرورة التحقق من مدى احترام دفاتر التحملات، وجودة الأشغال، ومطابقة البنايات المنجزة للتصاميم المصادق عليها، فضلاً عن التأكد من وجود شبكات الماء والإنارة والتطهير والتجهيزات الضرورية للاستغلال التجاري.
كما أن الحديث عن أسواق مدرجة في الوثائق الرسمية دون أن يكون أثرها الميداني واضحاً، إن ثبت، يستوجب تدقيقاً في المعطيات المالية والإدارية المرتبطة بها، وتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بمشاريع غير مكتملة، أو مرافق لم تدخل حيز الاستغلال، أو اختلالات في التوثيق والتتبع.
ولا يمكن الجزم بوجود مشاريع وهمية أو تبديد للمال العام دون الاطلاع على الوثائق الرسمية ومحاضر التسلم وتقارير الافتحاص؛ غير أن خطورة التساؤلات المطروحة تفرض التعامل معها بجدية، بدل الاكتفاء بالتبريرات العامة أو ترك الوضع يتفاقم.
حين تُرصد أموال عمومية لإنجاز أسواق نموذجية، فإن المسؤولية لا تنتهي بمجرد بناء الجدران أو تسليم المفاتيح، بل تشمل ضمان جاهزية المرافق، وتوفير شروط الاستغلال، واختيار آليات واضحة للتدبير والصيانة، وتتبع النتائج المحققة.
ومن ثم، فإن الجهات المعنية مطالبة بتقديم معطيات دقيقة بشأن الكلفة الإجمالية لكل سوق، ومصادر التمويل، والجهات المشرفة على الإنجاز، وتواريخ التسلم، وحالة التجهيز، وأسباب عدم الاستغلال، فضلاً عن الإجراءات المتخذة لمعالجة الاختلالات المسجلة.
كما تبرز الحاجة إلى افتحاص تقني ومالي وإداري مستقل، عند الاقتضاء، لمقارنة الاعتمادات المرصودة بالأشغال المنجزة فعلياً، والتحقق من مدى احترام الصفقات ودفاتر التحملات، وتحديد المسؤوليات وفق نتائج موثقة.
فإذا كانت بعض هذه المشاريع قد تعثرت لأسباب موضوعية، فمن حق الرأي العام معرفة تلك الأسباب والجدول الزمني لمعالجتها. أما إذا كشفت عمليات التدقيق عن مخالفات أو اختلالات، فينبغي إحالة الملفات على الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
إن معالجة ظاهرة الباعة الجائلين لا تتحقق بإنجاز أسواق لا تستجيب لحاجياتهم، كما أن تحرير الملك العمومي لا يمكن أن يستقيم دون توفير بدائل واقعية، تراعي القدرة الشرائية للباعة، ومواقع الأسواق، وشروط الولوج إليها، وكلفة الاستغلال، ومدى إقبال المواطنين عليها.
وبالموازاة مع ذلك، لا يجوز ترك مرافق عمومية مهجورة تتحول إلى بؤر للنفايات والتدهور البيئي، أو فضاءات تثير مخاوف أمنية واجتماعية لدى السكان المجاورين.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى تقييم نتائجها الفعلية، ومن عدّ البنايات المنجزة إلى قياس أثرها على حياة المواطنين وتنظيم المجال الحضري، فالمشروع العمومي الناجح ليس ما يظهر في الصور والبلاغات، بل ما يشتغل فعلياً ويقدم خدمة ملموسة ويبرر الأموال التي صُرفت عليه.
ويبقى السؤال الذي يستحق جواباً واضحاً من الجهات المعنية بوجدة: كم كلفت الأسواق النموذجية فعلياً؟ وكم سوقاً دخل حيز الاستغلال؟ وما أسباب تعثر المرافق غير المستغلة؟ وهل ستُفتح عملية افتحاص تكشف حقيقة الإنجاز والتجهيز والتدبير، وتحدد المسؤوليات عند ثبوت أي اختلال؟
أسئلة لا تستهدف التشهير بأي جهة، بقدر ما تضع المال العام وحق المواطنين في المعلومة والمحاسبة في صلب النقاش، لأن استمرار الإهمال، إن ثبت، لا يمثل فقط خسارة مالية، بل إخفاقاً في سياسة كان يفترض أن تنظم التجارة وتحسن المشهد الحضري وتوفر شروطاً أفضل للعيش والعمل.
تعليقات الزوار