هبة زووم – علال الصحراوي
تبدو مراكش، بواجهتها السياحية اللامعة ومشاريعها العقارية والاستثمارية المتنامية، مدينةً للفرص والثروة، لكن خلف هذا البريق، تظل أسئلة تدبير المجال الحضري، وتوزيع الامتيازات الاقتصادية، ومدى تكافؤ الفرص بين المستثمرين، حاضرة بإلحاح، خصوصاً في مدينة تتقاطع فيها المصالح العقارية والسياحية والتجارية مع دوائر القرار السياسي والإداري.
وفي عهد الوالي الخطيب لهبيل، تبرز الحاجة إلى نقاش جدي حول طبيعة الحكامة الترابية بالمدينة، ومدى خضوع التراخيص والصفقات واستغلال العقار العمومي والاستثمارات الكبرى لقواعد الشفافية والمنافسة العادلة، بعيداً عن أي تأثير محتمل للنفوذ أو العلاقات الشخصية.
فمراكش ليست مجرد واجهة سياحية تستقطب رؤوس الأموال، بل فضاء يعيش فيه مواطنون يواجهون أعباء المعيشة وارتفاع تكاليف السكن والخدمات، وينتظرون أن تنعكس الثروة التي تنتجها المدينة على فرص الشغل وجودة المرافق العمومية والعدالة في توزيع ثمار التنمية.
من يربح من مراكش؟ سؤال يتجاوز الشعارات
المشكلة لا تكمن في وجود مستثمرين يحققون الأرباح، ولا في توسع الأنشطة السياحية والترفيهية، فذلك جزء من النشاط الاقتصادي الطبيعي، إنما تكمن في ضرورة ضمان أن تتم المنافسة وفق قواعد واضحة، وأن تخضع التراخيص والصفقات والامتيازات للمراقبة، وألا تتحول العلاقات السياسية أو القرب من مراكز القرار إلى أفضلية غير مستحقة.
وفي هذا السياق، تبرز أسئلة تستحق أجوبة واضحة: ما المعايير المعتمدة في منح التراخيص للأنشطة السياحية والترفيهية؟ وكيف يجري تدبير العقار العمومي والمشاريع الكبرى؟ وما الضمانات الموضوعة لمنع تضارب المصالح؟ وهل تتاح فرص الاستثمار أمام الجميع بالشروط نفسها، أم أن هناك اختلالات تستوجب التدقيق والافتحاص؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بقطاعات تدر مداخيل مهمة، من قبيل الملاهي الليلية والأنشطة السياحية والعقار، حيث تفرض المصلحة العامة إخضاع القرارات الإدارية والاقتصادية لمعايير معلنة، مع نشر المعلومات التي تسمح للرأي العام بتقييم مدى احترام قواعد الشفافية والمنافسة.
أما الحديث عن استفادة أشخاص بعينهم من امتيازات أو عن وجود علاقات تؤثر في القرارات، فيحتاج إلى وثائق ومعطيات قابلة للتحقق، لا إلى الاكتفاء بالتلميحات أو إطلاق الأحكام. فالمساءلة الجادة تبدأ من الوقائع، وتستند إلى الأدلة، وتنتهي إلى ترتيب المسؤوليات وفق القانون.
الثروة في جهة.. وضغط المعيشة في جهة أخرى
في المقابل، لا يمكن فصل النقاش حول الحكامة الاقتصادية بمراكش عن واقع اجتماعي يفرض نفسه يومياً. فارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وصعوبات الولوج إلى العلاج، وتحديات المدرسة العمومية، وهشاشة عدد من فرص الشغل، كلها قضايا تجعل المواطنين يتساءلون عن الأثر الفعلي للاستثمارات على حياتهم اليومية.
كيف يمكن لمدينة تستقطب هذا الحجم من النشاط السياحي والاستثماري أن تضمن في الوقت نفسه شروط العيش الكريم لسكانها؟ وما نصيب الأحياء الشعبية والفئات محدودة الدخل من ثمار المشاريع؟ وهل تُقاس التنمية بعدد الفنادق والمشاريع العقارية فقط، أم بقدرتها أيضاً على تحسين الخدمات الأساسية وتوفير فرص شغل مستقرة وحماية القدرة الشرائية؟
إن التنمية التي لا يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية تظل ناقصة، مهما بلغت قيمة الاستثمارات أو اتسعت الواجهة العمرانية. كما أن الترويج لجاذبية المدينة لا يعفي المسؤولين من واجب توضيح كيفية تدبير مواردها ومجالها وفرصها الاقتصادية.
الوالي لهبيل أمام مسؤولية الحكامة والتنسيق
تفرض هذه المعطيات على السلطات الترابية، كلٌّ في حدود اختصاصاته، تعزيز آليات المراقبة والتنسيق مع الجماعات الترابية والمصالح المختصة، وضمان احترام القانون في منح التراخيص وتدبير المجال الحضري ومواكبة المشاريع الاستثمارية.
ومن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كانت هناك عمليات افتحاص أو مراقبة بشأن الاختلالات المحتملة في تدبير العقار والتراخيص والصفقات، وما الإجراءات المتخذة لمنع تضارب المصالح، وكيف يجري التعامل مع الشكايات المتعلقة بالمنافسة غير المتكافئة أو الاستفادة من الامتيازات.
كما أن تعزيز الثقة يقتضي إتاحة المعلومات المرتبطة بالقرارات العمومية، وتوضيح معايير الاستفادة من العقار والتراخيص، والتعامل بجدية مع كل ادعاء مدعوم بالوثائق، مع احترام قرينة البراءة وحقوق جميع الأطراف.
إن مسؤولية السلطات لا تتمثل في الاكتفاء بتسويق جاذبية مراكش، بل تشمل أيضاً السهر على أن تكون التنمية في خدمة المدينة وسكانها، وأن تخضع القرارات العمومية للمحاسبة، وألا يشعر المواطن بأن أبواب الفرص تُفتح لفئة وتظل موصدة أمام أخرى.
مراكش ملك لسكانها.. والشفافية ليست ترفاً
في نهاية المطاف، ليست القضية صراعاً بين الاستثمار والربح من جهة، والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى؛ بل هي سؤال عن القواعد التي تحكم العلاقة بينهما، فالاستثمار المشروع حق، وتحقيق الأرباح أمر طبيعي، لكنهما لا يبرران أي إخلال محتمل بمبادئ الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص.
مراكش أكبر من أن تختزل في مصالح ضيقة، وأغنى من أن تقاس جاذبيتها بعدد المشاريع الفاخرة وحدها. إنها مدينة لسكانها أيضاً، ومن حق هؤلاء أن يعرفوا كيف تُدبّر فرصها وثرواتها، ومن يستفيد من قراراتها، وما نصيبهم من ثمار التنمية.
ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مطروحاً أمام الوالي الخطيب لهبيل ومختلف المؤسسات المعنية هو: كيف يمكن ضمان ألا تتحول جاذبية مراكش الاقتصادية إلى مصدر لامتيازات غير متكافئة، وأن تصبح الشفافية والمحاسبة وتكافؤ الفرص قواعد فعلية في تدبير المدينة، لا مجرد شعارات؟
تعليقات الزوار