هبة زووم – الرباط
عاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري إلى واجهة النقاش حول القراءات المعاصرة للنص الديني، من خلال تدوينة شديدة اللهجة انتقد فيها أفكار المفكر السوري محمد شحرور، وما يعتبره امتداداً لمشروعه لدى بعض المؤسسات والباحثين المهتمين بإعادة قراءة القرآن الكريم خارج مناهج التفسير التقليدية.
ووجّه الكنبوري انتقادات حادة إلى ما وصفه بالتيار الشحروري، معتبراً أن بعض القراءات المنسوبة إلى هذا التوجه لم تعد تقتصر على مراجعة مكانة السنة النبوية أو نقد الموروث التفسيري، بل امتدت إلى إعادة تأويل آيات قرآنية وأحكام تعبدية، بما يثير، في نظره، أسئلة جوهرية بشأن حدود الاجتهاد الديني والفصل بين التجديد والتغيير في بنية الممارسة الإسلامية.
ولم يكتف الباحث بنقد الأفكار، بل استخدم أوصافاً قاسية في حق أصحابها، ووضع مشروع شحرور في سياق مقارن مع حركات دينية وتيارات تاريخية أخرى. وهي لغة تعكس حدة الخلاف الفكري، لكنها تجعل النقاش أكثر ارتباطاً بضرورة التمييز بين نقد الأطروحات ومناقشة أصحابها بعيداً عن التجريح الشخصي.
ويتمحور جانب أساسي من تدوينة الكنبوري حول التأثير الذي يقول إن محمد شحرور تركه لدى عدد من المهتمين بالشأن الديني في العالم العربي، معتبراً أن بعض أتباعه باتوا يتعاملون مع مؤلفاته باعتبارها مرجعية فكرية تؤسس لفهم مغاير للإسلام.
وتعيد هذه الانتقادات إلى الواجهة سجالاً أوسع حول مشروع شحرور، الذي عُرف بمحاولاته تقديم قراءة معاصرة للقرآن وإعادة النظر في عدد من المفاهيم الفقهية والتفسيرية السائدة.
وقد أثارت أطروحاته، منذ ظهورها، نقاشات واسعة بين مؤيدين يرون فيها محاولة لتجديد فهم النص الديني، ومنتقدين يعتبرونها قراءة تتجاوز ضوابط التفسير المتعارف عليها.
وفي هذا السياق، يرى الكنبوري أن بعض المشتغلين بهذا الاتجاه يسعون إلى بناء تصور ديني مختلف عما استقر عليه الفهم الإسلامي عبر القرون، مستحضراً في نقده تجارب تاريخية ظهرت فيها تأويلات دينية مخالفة للتيار الإسلامي السائد.
غير أن المقارنة بين هذه التجارب تظل جزءاً من موقف الباحث وتقييمه الفكري، ولا تكفي وحدها لإثبات التطابق بين خلفياتها أو أهدافها أو مناهجها. فالحسم في طبيعة أي مشروع فكري يقتضي تحليل نصوصه ومقولاته ومناقشة حججه، لا الاكتفاء بإلحاقه بتصنيفات تاريخية مثيرة للجدل.
ومن أبرز الأمثلة التي استند إليها الكنبوري في تدوينته، تأويلات قال إنها متداولة في بعض المنصات والمراكز المهتمة بإعادة قراءة القرآن، وتتعلق بمعاني الصلاة الوسطى، وبالعلاقة بين ورود الآيات في سياقها القرآني ودلالاتها، فضلاً عن طرح مرتبط بأصل تسمية شهر رمضان وعلاقته بالحرارة.
واعتبر الباحث أن هذه التأويلات تمثل خروجاً عن المعاني المتعارف عليها للعبادات، واتخذ منها مدخلاً للتحذير مما يراه توجهاً نحو إعادة تعريف الشعائر الإسلامية بصورة تمس بنيتها المعروفة.
وتكشف هذه الأمثلة عن جوهر الخلاف بين اتجاهات مختلفة في قراءة النص القرآني: هل ينبغي فهم الآيات ضمن منظومة التفسير واللغة والسنة والموروث الفقهي، أم يمكن إعادة تأويل بعض المفاهيم وفق مقاربات لغوية وتاريخية معاصرة؟
ولا يمكن حسم هذا الجدل بمجرد تبادل الاتهامات؛ إذ يستدعي فحص النصوص الأصلية التي تستند إليها هذه القراءات، والتحقق من سياقاتها، ثم مناقشة حججها اللغوية والتفسيرية ومقارنتها بالمناهج المعتمدة لدى المفسرين والباحثين.
كما أن نسبة رأي محدد إلى مؤسسة أو تيار بعينه تقتضي الاستناد إلى نص منشور أو موقف موثق، مع مراعاة السياق الكامل الذي ورد فيه، بدل الاكتفاء بالنقول المختصرة أو العبارات المتداولة.
وأثار الكنبوري كذلك مسألة المؤسسات والمراكز التي يقول إنها تروج لهذه القراءات، مشيراً إلى ما سماه «المعهد الدولي للقرآن الكريم»، ومعتبراً أن بعض الأنشطة الفكرية المرتبطة بهذا المجال تتجاوز، في تقديره، نقد التراث إلى تقديم تصورات بديلة بشأن العقائد والعبادات.
وتطرح هذه النقطة أسئلة بشأن الدور الذي تؤديه المؤسسات البحثية في النقاش الديني المعاصر، ومدى وضوح مناهجها ومراجعها العلمية، وكيفية تقديمها لاجتهاداتها للجمهور. غير أن تقييم أي مؤسسة يظل رهيناً بفحص منشوراتها وبرامجها ومواقفها المعلنة، والتحقق من صحة الأفكار المنسوبة إليها.
وفي المقابل، فإن حرية البحث والاجتهاد تقتضي أن تكون الأطروحات الدينية، مهما كانت مثيرة للخلاف، موضوعاً للنقد العلمي والحوار المنهجي، لا سبباً كافياً لإقصاء أصحابها أو الاكتفاء بوصفهم بتعابير جارحة.
وتكشف تدوينة إدريس الكنبوري عن استمرار الانقسام حول حدود التجديد الديني ومكانة السنة النبوية في تفسير القرآن، وعن اختلاف عميق بشأن ما إذا كانت القراءات المعاصرة لبعض الآيات توسع مجال الاجتهاد أم تتجاوز، وفق منتقديها، الأسس التي قام عليها الفهم الإسلامي التقليدي.
وبين موقف الكنبوري الرافض لما يعتبره تأويلاً مفرطاً للنصوص، ومواقف التيارات التي تدعو إلى إعادة قراءتها وفق مناهج معاصرة، تبقى الحاجة قائمة إلى نقاش علمي يستند إلى النصوص الأصلية، ويحدد بدقة مواضع الاختلاف، ويميز بين الاجتهاد اللغوي والتفسير الديني والموقف العقدي.
فالنقاش الجاد حول القرآن والسنة لا يستقيم بالشعارات وحدها، سواء صدرت عن المدافعين عن القراءات التقليدية أو عن أصحاب التأويلات المعاصرة؛ بل يحتاج إلى الحجة والتوثيق والقدرة على مناقشة الأفكار في سياقها، بعيداً عن التعميم والتجريح.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الأهم الذي تطرحه هذه المواجهة ليس فقط من ينتصر في السجال، بل كيف يمكن إدارة الاختلاف حول النص الديني بمنهجية علمية تتيح النقد والمراجعة، وتحترم في الوقت نفسه حساسية القضايا العقدية والعبادية لدى جمهور المسلمين.
تعليقات الزوار