هبة زووم – الرباط
في تدوينة نقدية لافتة، وجّه الباحث الأكاديمي والدكتور إدريس الكنبوري سهام نقده إلى ما سماه “التفاهة التلفزيونية” التي ترافق شهر رمضان في المغرب منذ عقود، معتبراً أن هذا الشهر أصبح مناسبة سنوية لإعادة إنتاج نفس الرداءة الفنية والثقافية، بميزانيات ضخمة، ونتائج محدودة.
ويرى الكنبوري أن حلول رمضان بات يعني، تلفزيونياً، “تحول الشاشة إلى منصة موازين يومية”، حيث تهيمن السيتكومات السخيفة وبرامج الكاميرا الخفية “الغبية”، في مشهد يتكرر كل عام دون أي تجديد أو مساءلة.
ويضيف أن هذه الأعمال لا تُنتَج استجابة لذوق الجمهور أو حاجته الثقافية، بل تُفرض عليه فرضاً، تماماً كما تُفرض عليه اختيارات سياسية كل خمس سنوات.
ويشير الباحث إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن شريحة واسعة من المغاربة “هاجرت نفسياً” من التلفزيون العمومي نحو منصات التواصل الاجتماعي، غير أن ذلك لم يمنع استمرار ضخ ميزانيات عمومية كبيرة في إنتاج أعمال يصفها بـ”التفاهات”، غالباً ما تنتهي في “جيوب المقربين”، دون أثر ثقافي أو فني يُذكر.
وينتقد الكنبوري ما يعتبره إقصاءً ممنهجاً للثقافة في بلد يتغنى بخصوصيته الحضارية وتاريخه العريق، بل ويشهد اكتشافات أثرية تعود إلى ما قبل الميلاد.
ورغم هذا العمق التاريخي، يقول الباحث، لا مكان للثقافة في المشهد السائد، الذي اختُزل في “رقص وغناء في الصيف، وقفشات في رمضان، وكرة قدم طيلة السنة”.
وفي سياق متصل، يلفت الكنبوري إلى ما يسميه “الاختلال في تمثّل الهوية الثقافية”، حيث يرى أن تيارات أمازيغية متطرفة استطاعت فرض سرديات تاريخية ورمزية، والترويج لشخصيات وأسلاف ما قبل أكثر من اثني عشر قرناً، بينما تغيب، في المقابل، أي دينامية جادة لخدمة الثقافة المغربية في بعدها التاريخي اللاحق لتأسيس الدولة المغربية.
ويخلص الباحث إلى أن المشهد الثقافي المغربي بات محصوراً بين خيارين متطرفين: “يمين أمازيغي” و”يمين فرنسي”، في حين أصبح “الوقوف في الوسط” – أي الدفاع عن ثقافة وطنية جامعة، متوازنة، وغير مؤدلجة – بمثابة “غلط” لا يجد له حيزاً في الإعلام أو في السياسات الثقافية العمومية.
تدوينة الكنبوري تفتح من جديد النقاش حول وظيفة الإعلام العمومي، وجدوى الإنفاق العمومي في المجال الثقافي، وحدود المسؤولية بين الدولة والمنتجين والجمهور، خاصة في مناسبة دينية واجتماعية يفترض أن تكون فرصة للارتقاء بالذوق العام، لا لتكريس الرداءة.
تعليقات الزوار