أين اختفت قرارات توقيف المنتخبين بالعرائش؟ أسئلة محرجة حول المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة في عهد العالم بوعاصم العالمين

هبة زووم – إلياس الراشدي
يطرح تدبير الجماعات الترابية بإقليم العرائش أسئلة متزايدة حول نجاعة المراقبة الإدارية، وفعالية آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على ضمان حماية المال العام والتصدي للاختلالات المحتملة في تدبير الشأن المحلي.
وفي قلب هذا النقاش، يبرز اسم العامل بوعاصم العالمين باعتباره ممثل السلطة المركزية بالإقليم، والمسؤول الترابي الذي تتجه إليه الأنظار بشأن التنسيق الإداري وتتبع أوضاع الجماعات الترابية، في وقت تتعالى فيه أصوات تطالب بتوضيح حصيلة المراقبة، والكشف عن أسباب ما يُلاحظ من تراجع في قرارات توقيف رؤساء جماعات ومنتخبين محليين، وفق الانطباعات المتداولة في بعض الأوساط المحلية.
ولا يتعلق الأمر بإصدار أحكام مسبقة بشأن مسؤولية أي جهة أو اتهام منتخبين دون أدلة، بل بطرح سؤال جوهري: هل تعكس المؤشرات المتداولة تحسناً في تدبير الجماعات، أم أن هناك حاجة إلى تعزيز آليات المراقبة والتواصل بشأن نتائجها؟
إن الفساد، متى ثبت وقوعه، لا يمثل مجرد خرق إداري أو إخلال بواجبات التدبير، بل يشكل اعتداءً على حقوق المواطنين وعلى فرص التنمية المحلية. فكل اختلال في تدبير ميزانية جماعة ترابية قد تكون له انعكاسات مباشرة على جودة الطرق والإنارة العمومية والنظافة والمرافق الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية المال العام لا يمكن أن تظل رهينة التصريحات أو الوعود، بل تستوجب رقابة منتظمة، وشفافية في الصفقات العمومية، وتدقيقاً في أوجه صرف الاعتمادات، وتفاعلاً جدياً مع التقارير والشكايات التي تكشف عن اختلالات محتملة.
كما أن المنتخب المحلي، مهما كانت صفته أو موقعه السياسي، يظل خاضعاً للقانون ولآليات المراقبة والمساءلة. فالمسؤولية الانتخابية ليست حصانة من المحاسبة، والتفويض الشعبي لا يمنح صاحبه حق التصرف في المال العام خارج الضوابط القانونية.
ومن أبرز الأسئلة التي يطرحها النقاش المحلي ما يُتداول بشأن تراجع عدد قرارات توقيف رؤساء جماعات ومنتخبين خلال الفترة الأخيرة، مقارنة بفترات سابقة.
وإذا تأكد هذا التراجع من خلال المعطيات الرسمية، فإنه يستدعي توضيحاً بشأن أسبابه، ومدى ارتباطه بتطور وضعية التدبير المحلي، أو بتغير طبيعة الملفات المعروضة، أو بمسار المراقبة الإدارية والقضائية.
فعدد قرارات التوقيف، في حد ذاته، لا يكفي للحكم على مستوى انتشار الفساد أو نجاعة الرقابة؛ إذ قد يرتبط أيضاً بطبيعة المخالفات المثبتة، والمساطر القانونية المعتمدة، ونتائج عمليات التفتيش والتدقيق. لكن غياب الأرقام والتوضيحات يترك المجال مفتوحاً للتأويل، ويغذي شعوراً لدى بعض المواطنين بأن المحاسبة لا تسير بالوتيرة المطلوبة.
وهنا تبرز الحاجة إلى نشر حصيلة واضحة بشأن عمليات التفتيش المنجزة، والملاحظات المسجلة، والإحالات على الجهات المختصة، والإجراءات المتخذة في الملفات التي ثبتت فيها مخالفات. فالمطلوب ليس تكثير قرارات التوقيف لمجرد التوقيف، بل ضمان تطبيق القانون بفعالية وشفافية ودون انتقائية.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى العامل بوعاصم العالمين بشأن حصيلة التنسيق الإداري وتتبع أوضاع الجماعات الترابية بالإقليم، ومدى التفاعل مع التقارير التي تتضمن ملاحظات حول التدبير المالي والإداري.
وتفرض طبيعة المسؤولية الترابية تساؤلات مشروعة حول آليات تتبع ملفات الجماعات، ومدى انتظام عمليات المراقبة، وسرعة التفاعل مع الاختلالات التي تستدعي تدخلاً إدارياً، فضلاً عن التنسيق مع المفتشيات والهيئات الرقابية والقضائية المختصة.
لكن من الضروري التمييز بين اختصاصات العامل والاختصاصات القانونية للمفتشيات والهيئات الرقابية والنيابة العامة والقضاء؛ فالمساءلة لا تعني تحميل مسؤول واحد جميع الاختلالات المحتملة، وإنما تحديد مسؤولية كل جهة وفق اختصاصاتها والقانون المنظم لعملها.
وعليه، فإن السؤال الذي يستحق جواباً واضحاً هو: ما الحصيلة الفعلية للمراقبة الإدارية على مستوى جماعات إقليم العرائش؟ وما الإجراءات التي اتخذت بشأن الاختلالات التي ثبتت؟ وهل توجد ملفات متعثرة تستوجب تسريع المعالجة أو توضيح مآلها للرأي العام؟
إن أحد التحديات الأساسية في تدبير الشأن المحلي لا يرتبط فقط باكتشاف الاختلالات، بل أيضاً بضمان استكمال المساطر القانونية وتوضيح مآل الملفات التي تستدعي التدقيق أو الإحالة على الجهات المختصة.
فالتفتيش الذي لا تُعرف نتائجه، والتقرير الذي لا يُوضح مآله في الحدود التي يسمح بها القانون، والشكاية التي يظل صاحبها دون جواب، كلها عوامل قد تضعف ثقة المواطن في فعالية المؤسسات، حتى عندما تكون هناك إجراءات جارية لا يعلم بتفاصيلها.
وفي المقابل، فإن توجيه الاتهامات إلى منتخب أو مسؤول لا يعني ثبوت المخالفة، كما أن التوقيف الإداري لا يشكل حكماً بالإدانة. لذلك، ينبغي أن تقوم المحاسبة على الأدلة واحترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، بالتوازي مع حق المجتمع في معرفة كيفية حماية المال العام.
إن المطلوب هو منظومة رقابة واضحة، تحدد المسؤوليات، وتتفاعل مع الشكايات، وتضمن إحالة المخالفات المثبتة على الجهات المختصة، مع تتبع مآلها وفق القانون.
أمام هذه الأسئلة، تبدو الحاجة ملحة إلى توضيح رسمي بشأن حصيلة مراقبة الجماعات الترابية بإقليم العرائش، وعدد عمليات التفتيش والتدقيق المنجزة، وطبيعة الملاحظات المسجلة، والإجراءات المتخذة بشأنها، مع احترام السرية القانونية عندما تكون الملفات موضوع مساطر جارية.
كما أن من حق الرأي العام معرفة ما إذا كان تراجع قرارات التوقيف، إن ثبت، يعكس انخفاضاً في المخالفات أم تغيراً في مسار المعالجة الإدارية، أم يرتبط بعوامل أخرى. فالأرقام وحدها، حين توضع في سياقها الصحيح، تسمح بتقييم موضوعي بعيداً عن الانطباعات والتأويلات.
إن حماية المال العام لا تتحقق بالتشهير، كما لا تتحقق بالصمت؛ بل برقابة فعالة، ومؤسسات شفافة، ومساطر واضحة، ومحاسبة تستند إلى الأدلة وتطبق على الجميع دون تمييز.
وفي انتظار تقديم معطيات دقيقة، يظل السؤال مطروحاً أمام الجهات المعنية بإقليم العرائش: هل تتوفر حصيلة واضحة وشفافة للمراقبة الإدارية على الجماعات الترابية، وما الإجراءات المتخذة لضمان ألا تتحول أي اختلالات مثبتة إلى ملفات معلقة بلا مآل؟
فالمواطن لا يطالب إلا بتدبير مسؤول للمال العام، وإدارة تحمي حقوقه، ومؤسسات تقدم أجوبة واضحة حين تثار أسئلة مشروعة بشأن الحكامة والمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد