هبة زووم – بوجدور
لم تعد الانقطاعات المتكررة في التزود بالماء الصالح للشرب بمدينة بوجدور مجرد إزعاج عابر يمكن تجاوزه بتدابير مؤقتة، بل تحولت إلى ملف يطرح أسئلة محرجة حول نجاعة التدبير المحلي، وفعالية تدخل المؤسسات المعنية، ومدى قدرتها على ضمان حق الساكنة في خدمة أساسية لا تقبل التأجيل أو الارتجال.
وفي تطور يعيد أزمة الماء إلى واجهة النقاش العمومي، وجّه البرلماني عبد العزيز أبا، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، سؤالًا كتابيًا إلى وزير التجهيز والماء بتاريخ 26 أكتوبر 2026، بشأن الانقطاعات التي قال إنها مستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر، وما خلفته من معاناة للأسر والمرافق العمومية والأنشطة الاقتصادية والصناعية بالمدينة.
ورغم أن السؤال البرلماني لم يتضمن اتهامًا مباشرًا للعامل إبراهيم بالفشل، فإن مضمون الأزمة يضع تدبير الملف محليًا أمام اختبار حقيقي، ويفتح الباب أمام مساءلة مختلف المتدخلين عن أسباب استمرار الاختلالات، وحدود الإجراءات المتخذة لمعالجتها.
حين يستمر اضطراب التزود بالماء الصالح للشرب على مدى ثلاثة أشهر، فإن الأمر يتجاوز منطق العطب العابر إلى ضرورة تقديم تفسير واضح للرأي العام، مدعوم بمعطيات تقنية وتدبيرية تحدد مكمن الخلل والجهة المسؤولة عن معالجته.
فالساكنة لا تنتظر بيانات مطمئنة أو تبريرات عامة، وإنما تريد ماءً يصل إلى منازلها بانتظام، ومرافق عمومية قادرة على أداء خدماتها، وأنشطة اقتصادية لا تجد نفسها رهينة اضطرابات متكررة في التزود بمادة حيوية.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ما الذي قامت به الجهات المحلية والقطاعية المعنية طوال هذه المدة؟ وهل جرى تحديد الأسباب الحقيقية للانقطاعات، أم أن الملف ظل يتأرجح بين الاختلالات التقنية وتعدد المتدخلين، بينما يتحمل المواطن وحده كلفة التعثر؟
إن مسؤولية التدبير المحلي لا تعني بالضرورة أن العامل إبراهيم مسؤول تقنيًا ومباشرًا عن إنتاج الماء أو توزيعه، لكنها تفرض، في حدود اختصاصاته، توضيح طبيعة التنسيق والتتبع والتدخل لضمان معالجة أزمة بهذا الحجم، خصوصًا عندما تتجاوز آثارها الأسر لتطال المرافق والأنشطة الاقتصادية.
الأكثر إثارة للتساؤل في هذه القضية هو استمرار الانقطاعات بمدينة تتوفر على محطة لتحلية مياه البحر، وهي منشأة يفترض أن تسهم في تأمين حاجيات بوجدور من الماء الصالح للشرب.
لكن وجود محطة للتحلية لا يعني، في حد ذاته، ضمان التوزيع المستمر؛ إذ قد ترتبط الانقطاعات بقدرة الإنتاج، أو أعطاب الشبكة، أو التخزين، أو النقل والتوزيع، أو عوامل تقنية وتدبيرية أخرى. وهو ما يجعل الكشف عن المعطيات الرسمية ضرورة لتحديد المسؤوليات بدل الاكتفاء بالتخمين.
ومن هنا، يكتسب سؤال البرلماني أبا أهميته الرقابية، لأنه يطالب الحكومة بتوضيح الأسباب التقنية والتدبيرية للأزمة، وتحديد مدى ارتباطها بقدرة الإنتاج أو بشبكة التوزيع، فضلًا عن الإعلان عن التدابير الاستعجالية والآجال المحددة لمعالجة الاختلالات.
فلا يعقل أن تظل الساكنة أمام أسئلة مفتوحة بشأن خدمة أساسية، بينما يفترض أن تكون البنية التحتية المائية جزءًا من الحل، لا مدخلًا لمزيد من الغموض حول أسباب استمرار الانقطاعات.
وتضع هذه الأزمة السلطات المحلية، وفي مقدمتها عامل الإقليم إبراهيم، أمام مسؤولية توضيح ما يجري في حدود الاختصاصات القانونية لكل جهة، والكشف عن طبيعة التنسيق القائم بين المصالح المعنية بالماء، والجهات المكلفة بالإنتاج والتوزيع، وباقي المؤسسات المتدخلة.
فالمطلوب ليس البحث عن كبش فداء، ولا إطلاق أحكام مسبقة بشأن المسؤولية، بل معرفة ما إذا كانت آليات التتبع والتنسيق قد اشتغلت بالسرعة والفعالية المطلوبتين، وما الإجراءات التي اتُّخذت لتخفيف المعاناة اليومية للساكنة.
وإذا كانت أسباب الأزمة تقنية محضة، فمن حق المواطنين معرفة طبيعتها والمدة المتوقعة لمعالجتها. أما إذا كشفت المعطيات عن قصور في التنسيق أو تأخر في التدخل أو ضعف في تدبير المخاطر، فإن ترتيب المسؤوليات ينبغي أن يتم وفق الأدلة والاختصاصات، لا بمنطق تبادل التبريرات.
من خلال مراسلته للوزير، يضع البرلماني عبد العزيز أبا الحكومة أمام مطالب واضحة: تفسير الانقطاعات، والكشف عن أسبابها، وتحديد التدابير الاستعجالية، والإعلان عن آجال إنهاء الاختلالات بما يضمن الأمن المائي للمدينة.
غير أن المساءلة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الجواب البرلماني. فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المراسلة ستفضي إلى حلول ملموسة، وجدول زمني واضح، وتواصل منتظم مع الساكنة، أم ستنتهي إلى جواب إداري لا يغير شيئًا من واقع الانقطاعات.
إن بوجدور تحتاج إلى أكثر من تشخيص الأزمة؛ تحتاج إلى تحديد المسؤوليات، وضمان التنسيق، ومعالجة الأعطاب، وصيانة حق السكان في التزود المنتظم بالماء الصالح للشرب.
وبينما ينتظر الرأي العام توضيحات الحكومة والجهات المعنية، يبقى السؤال الأهم مطروحًا: من سيقدم للساكنة جوابًا واضحًا عن أسباب استمرار هذه الأزمة، ومن سيتحمل مسؤوليته إذا ثبت أن الاختلالات كان بالإمكان تفاديها أو الحد من آثارها؟
فالماء ليس امتيازًا تمنحه الإدارة، بل خدمة أساسية وحق للساكنة، وأي تعثر طويل في ضمانه يستوجب تفسيرًا شفافًا ومحاسبة تستند إلى الوقائع.
تعليقات الزوار