كلميمة.. وثيقة من سنة 1994 تعيد تفجير ملف الأراضي السلالية وتضع لوائح ذوي الحقوق تحت المجهر

هبة زووم – الرشيدية
تعود قضية الأراضي السلالية بمدينة كلميمة بإقليم الرشيدية إلى واجهة النقاش المحلي، محملة بأسئلة قديمة حول عدالة الاستفادة، ومعايير تحديد ذوي الحقوق، ومدى استمرار أعراف تاريخية في التأثير على تدبير عقار جماعي يفترض أن يشكل رافعة للتنمية والاستقرار الاجتماعي، لا مصدراً للإحساس بالإقصاء والحرمان.
وتستند المطالب الجديدة بفتح هذا الملف إلى وثيقة إدارية تعود إلى 19 يوليوز 1994، صادرة عن قسم الشؤون القروية بعمالة إقليم الرشيدية، وموقعة من طرف رئيس الجماعة السلالية لقصر كلميمة، الحسين ختوش، تحت إشراف رئيس دائرة كلميمة، كردّ على شكاية تقدم بها أحد أبناء القصر، المدعو عشاق سكو، القاطن بحي عثمان.
وتكتسي هذه الوثيقة أهمية خاصة بالنظر إلى ما تتضمنه، وفق المعطيات الواردة فيها، من إشارات إلى أسلوب تقسيم الأراضي السلالية المعتمد آنذاك، والذي يعود أصله إلى سنة 1942، أي إلى فترة الحماية، بما يفتح النقاش حول مدى ملاءمة المعايير التاريخية التي جرى اعتمادها مع التحولات الاجتماعية والقانونية التي عرفها المغرب خلال العقود الماضية.
تقسيم يعود إلى سنة 1942.. هل ما زالت الأعراف تتحكم في الاستفادة؟
بحسب مضمون الوثيقة، حُددت مساحة كل فخذة في 400 متر، مع الإشارة إلى اعتماد ما وصفته الوثيقة بـ«الأعراف المتعارف عليها» داخل القصر، والتي ربطت الاستفادة بما يملكه الشخص داخل المزرعة الأصلية التابعة لقصر كلميمة، مع استبعاد من لا يتوفر على ملك داخلها، وفق الصيغة الواردة في الجواب الإداري.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط الجدل: هل يمكن أن تظل قواعد تعود إلى مرحلة تاريخية مختلفة مرجعاً لتحديد الاستفادة من أراضٍ جماعية، في ظل تطور الإطار القانوني المنظم للأراضي السلالية، وتغير البنية الاجتماعية والديمغرافية للساكنة؟
إن الإشارة إلى أعراف قديمة لا تكفي وحدها لإثبات وجود إقصاء ممنهج أو اختلالات قانونية في تدبير الملف، لكنها تفرض إخضاع معايير الاستفادة للمراجعة والتدقيق، والتحقق من مدى انسجامها مع القوانين الجاري بها العمل، ومع الحقوق التي يكفلها الإطار القانوني لذوي الحقوق، بعيداً عن أي تمييز غير مشروع.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى مطالب عدد من أبناء المنطقة، الذين يرون أن استمرار الغموض بشأن معايير الاستفادة يساهم في تعميق الإحساس بعدم الإنصاف، خصوصاً لدى الشباب والأسر التي تبحث عن حلول عملية لمعضلة السكن، في وقت تعرف فيه أسعار العقار ضغوطاً تثقل كاهل ذوي الدخل المحدود.
الشباب والنساء.. أسئلة حول لوائح ذوي الحقوق
لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف حول مساحة بقعة أرضية أو طريقة تقسيم عقار جماعي، بل بقضية ذات أبعاد اجتماعية وتنموية، تتصل بحقوق ذوي الحقوق، وشفافية تدبير الممتلكات الجماعية، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على مواكبة التحولات التي عرفها المجتمع المحلي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى التحقق من مدى تحيين لوائح ذوي الحقوق، وكيفية التعامل مع حالات الشباب والأسر الجديدة والنساء السلاليات وأبناء المهاجرين العائدين إلى المنطقة، وفق المقتضيات القانونية المنظمة لهذا المجال.
كما تطرح مطالب الساكنة بشأن وجود أراضٍ غير مستغلة أو مجمدة، بحسب ما يتم تداوله محلياً، سؤالاً حول الإمكانات التي يمكن أن يوفرها العقار الجماعي للتنمية المحلية، وتوسيع العرض العقاري، وتحسين شروط الاستقرار، شريطة احترام القانون وضمان حقوق جميع المعنيين.
وفي المقابل، فإن أي حديث عن حرمان فئات بعينها أو تفضيل عائلات على أخرى يظل بحاجة إلى تدقيق في الوثائق ومحاضر التقسيم ولوائح المستفيدين، حتى لا تتحول المطالب المشروعة بالإنصاف إلى اتهامات عامة لا تستند إلى أدلة كافية.
عامل الإقليم أمام مسؤولية فتح الملف
وأمام هذه المعطيات، تتعالى المطالب بتدخل عامل إقليم الرشيدية من أجل فتح تحقيق إداري في كيفية تدبير الأراضي السلالية التابعة لقصر كلميمة، والوقوف على الأسس المعتمدة في تحديد المستفيدين، ومدى احترام الإجراءات القانونية والتنظيمية ذات الصلة.
وتشمل المطالب المطروحة تحيين لوائح ذوي الحقوق، والتحقق من مدى احترام حقوق النساء السلاليات، ونشر المعطيات والمحاضر ذات الصلة وفق الضوابط القانونية، وتوضيح معايير الاستفادة بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، ويحد من تضارب التأويلات والنزاعات داخل المجتمع المحلي.
كما أن وجود وثيقة تعود إلى سنة 1994 يقتضي عدم التعامل معها بمعزل عن السياق القانوني الذي صدرت فيه، أو اعتبارها وحدها دليلاً حاسماً على الوضع الحالي. فالحسم في سلامة مساطر الاستفادة يستلزم مقارنة مضامينها بالوثائق اللاحقة، واللوائح المحينة، والقرارات المتخذة، والمقتضيات القانونية المعمول بها اليوم، ولا سيما القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها.
إن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، بل وضع حد للغموض الذي يحيط بالملف، وتوفير أجوبة رسمية عن الأسئلة التي تطرحها الساكنة، مع ترتيب المسؤوليات عند ثبوت أي مخالفة أو إخلال بالقانون.
فالأراضي السلالية ليست مجرد رصيد عقاري، وإنما ملك جماعي يرتبط بحقوق ومصالح ذوي الحقوق، وتدبيره الرشيد يفترض الشفافية والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبين وثيقة تاريخية تعيد النقاش إلى سنة 1942، ومطالب اجتماعية تتجدد في سنة 2026، يبقى السؤال المطروح في كلميمة واضحاً: هل تتحول هذه الوثيقة إلى مدخل لمراجعة موضوعية وشاملة لملف الأراضي السلالية، أم يستمر الغموض في تأجيل الإنصاف الذي تنتظره الساكنة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد