قلعة السراغنة.. بين الحق في الأمن وواجب الرعاية الصحية ملف يضع السلطات أمام مسؤولياتها

هبة زووم – قلعة السراغنة
لم تعد مشاهد أشخاص يعيشون في وضعية اضطراب نفسي أو تشرد وهم يتجولون في عدد من شوارع وأحياء مدينة قلعة السراغنة مجرد حالات متفرقة في نظر عدد من المواطنين، بل تحولت، بحسب إفادات متداولة بين الساكنة، إلى مصدر قلق متزايد يطرح أسئلة محرجة حول واقع التكفل الصحي والاجتماعي بهذه الفئة، ومدى جاهزية المؤسسات المعنية للتعامل مع الظاهرة وفق مقاربة تحفظ كرامة الإنسان وتصون سلامة الجميع.
ففي الوقت الذي يعبر فيه مواطنون عن مخاوفهم بشأن بعض السلوكات التي قد تصدر عن حالات تستدعي متابعة ورعاية متخصصتين، تتصاعد المطالب بتدخل منظم يضع حداً لحالة الارتباك التي يشعر بها عدد من سكان الأحياء، خصوصاً الأسر التي تخشى على أطفالها والنساء وكبار السن، دون أن يتحول ذلك إلى تعميم أو وصم لكل الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية.
إن خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في مظاهره التي يلاحظها المواطنون في الفضاء العام، بل أيضاً في ما يكشفه من صعوبات مرتبطة بالتشخيص والعلاج والإيواء والمتابعة الاجتماعية، وهي مسؤوليات لا يمكن تركها معلقة بين الإدارات أو اختزالها في تدخلات ظرفية تنتهي بمجرد نقل شخص من شارع إلى آخر.
تجد السلطات المحلية نفسها أمام مسؤولية أساسية في رصد الحالات التي تستدعي التدخل، وفتح قنوات التنسيق مع المصالح الأمنية والقطاع الصحي والجهات الاجتماعية المختصة، بما يضمن تقييم الوضع الصحي لكل حالة وتوجيهها، عند الاقتضاء، إلى المؤسسات المناسبة وفق الضوابط القانونية والطبية.
غير أن عدداً من المواطنين يتساءلون عن طبيعة التدخلات التي جرى اعتمادها بمدينة قلعة السراغنة، وعن مدى وجود خطة عملية للتعامل مع هذه الحالات، بدل الاكتفاء بردود فعل متفرقة لا تضمن استمرارية الرعاية ولا تعالج الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى البقاء في الشارع دون متابعة.
وهنا تبرز مسؤولية عامل إقليم قلعة السراغنة في تحريك التنسيق المؤسساتي بين مختلف المتدخلين، والدعوة إلى تشخيص ميداني دقيق يحدد حجم الظاهرة والحاجيات الصحية والاجتماعية المرتبطة بها، مع وضع آلية واضحة للتدخل والتتبع.
إن حماية المواطنين وضمان شعورهم بالأمن في الشوارع والأحياء حق مشروع، لكن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب كرامة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو يعيشون أوضاعاً اجتماعية صعبة. فهؤلاء يحتاجون قبل كل شيء إلى الرعاية والعلاج والمواكبة، لا إلى الإقصاء أو التعامل معهم باعتبارهم مشكلة أمنية فقط.
كما أن تحميل السلطات المحلية وحدها كامل المسؤولية لا يعفي القطاعات الصحية والاجتماعية والجماعات الترابية من أدوارها، إذ لا يمكن معالجة ملف بهذا التعقيد دون موارد بشرية متخصصة، ومسارات واضحة للتكفل، وإمكانات للاستقبال والعلاج والمتابعة.
أمام تزايد شكاوى الساكنة، يظل السؤال مطروحاً: هل ستبادر السلطات الإقليمية والمحلية إلى عقد لقاء تنسيقي يجمع المصالح الصحية والأمنية والاجتماعية لتقييم الوضع؟ وهل تتوفر المدينة على آلية فعالة للتدخل والتوجيه والتكفل بالحالات التي تحتاج إلى العلاج أو الإيواء؟ وما التدابير التي ستُتخذ لضمان عدم عودة الأشخاص الذين يتم التكفل بهم إلى الشارع دون متابعة؟
إن استمرار هذا الوضع، إن تأكدت أبعاده ميدانياً، لا ينبغي أن يظل موضوعاً للتداول والشكوى فقط، بل يستدعي تدخلاً مؤسساتياً مسؤولاً، يوازن بين حق الساكنة في الأمن وحق الأشخاص في العلاج والكرامة.
فمدينة قلعة السراغنة تحتاج إلى حلول حقيقية ومستدامة، لا إلى معالجات موسمية؛ لأن الشارع ليس مؤسسة للعلاج، والشرطة ليست بديلاً عن الرعاية الصحية، والتجاهل لا يمكن أن يكون سياسة عمومية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد