المحروقات تصفع جيوب المواطنين والأسعار تصعد كالصاروخ وتهبط كالسلحفاة

هبة زووم – طنجة
في بلد اعتاد سكانه أن يواجهوا موجات الغلاء بابتسامة ساخرة، لم تعد قضية المحروقات مجرد أرقام تتغير على شاشات محطات الوقود، بل تحولت إلى عنوان جديد لمعاناة يومية تتسع آثارها لتشمل أصحاب السيارات والمهنيين والناقلين، وصولاً إلى المستهلك الذي يدفع في النهاية كلفة ارتفاع النقل وأسعار السلع والخدمات.
فبين ليلة وضحاها، يجد المواطن نفسه أمام زيادات مفاجئة تصل، وفق المعطيات المتداولة، إلى درهمين في اللتر الواحد، قد يبدو الرقم محدوداً لمن ينظر إليه من زاوية الحسابات التجارية، لكنه يتحول إلى عبء ثقيل حين يُضرب في عدد مرات التزود بالوقود، ويُضاف إلى فواتير المعيشة التي لا تتوقف عن الارتفاع.
وإذا كانت الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة الدولية عوامل مؤثرة في أسعار المحروقات، فإن استحضارها لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر جاهز لكل زيادة، ولا إلى إجابة نهائية عن أسئلة المغاربة بشأن طريقة تحديد الأسعار وهوامش أرباح الشركات ومدى انعكاس تراجع الأسعار الدولية على السوق الوطنية.
فالمغرب، باعتباره بلداً يعتمد على استيراد حاجياته من المحروقات، يظل معرضاً لتقلبات الأسواق العالمية، كما تتداخل في تحديد الكلفة النهائية عوامل من قبيل أسعار النفط والمنتجات المكررة، وتكاليف النقل والتأمين والتخزين، وسعر صرف العملة.
أما الحديث عن ارتباط جزء من الإمدادات بالنفط الروسي، فيحتاج إلى معطيات موثقة بشأن مصادر التوريد ومسارات التكرير، لأن منشأ النفط الخام لا يعني بالضرورة أن الوقود النهائي المستورد جاء مباشرة من روسيا.
لكن وسط هذه التعقيدات، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطن المغربي، كما غيره من المواطنين، أكثر بساطة وإلحاحاً: لماذا تنتقل الزيادات إلى أسعار المحطات بسرعة، بينما يبدو انخفاضها أبطأ وأقل وضوحاً حين تتراجع كلفة التزود في الأسواق الدولية؟
هنا تبرز مسؤولية الفاعلين في القطاع والجهات المكلفة بمراقبة المنافسة وحماية المستهلك، فبعد تحرير أسعار المحروقات، لم تعد الدولة تحدد السعر النهائي بشكل مباشر، لكن ذلك لا يعني أن السوق ينبغي أن تتحول إلى فضاء مغلق أمام المساءلة، أو أن تُترك للمستهلك مهمة تقبل الأسعار دون أن تتوفر لديه معطيات واضحة حول مكوناتها.
إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب الشفافية الكافية التي تسمح للمواطن بفهم كيفية احتسابها، ومقارنة تطورها بكلفة الاستيراد والتوزيع، ومعرفة ما إذا كانت المنافسة بين الشركات تنعكس فعلاً على الأسعار المعروضة في محطات الوقود.
ومن حق المستهلك أن يسأل عن هوامش الربح، وعن آليات المراقبة، وعن أسباب التفاوت بين سرعة انتقال الزيادات وبطء انتقال الانخفاضات، كما أن من واجب الجهات المختصة تقديم معطيات دقيقة تضع حداً للتخمينات وتعيد الثقة إلى سوق تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين.
فهل كل زيادة جديدة تفرضها بالفعل كلفة السوق الدولية؟ ومن يراقب مدى انعكاس تراجع الأسعار العالمية على السوق الوطنية؟ وهل تتوفر للمستهلك آليات فعلية لمعرفة ما يدفعه مقابل كل لتر؟
أسئلة لا تحتاج إلى ابتسامات الخبراء ولا إلى تبريرات عامة، بل إلى أرقام شفافة ومراقبة فعالة ومنافسة حقيقية. ففي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة المحروقات، ولا أن يتحول جيبه إلى مساحة مفتوحة لامتصاص كل الصدمات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد