هبة زووم – الرباط
في موقف يثير أكثر من علامة استفهام حول طبيعة تموقع حزب التقدم والاشتراكية داخل المشهد الحكومي، دعا المكتب السياسي للحزب الحكومة إلى اتخاذ تدابير وإجراءات عاجلة للتخفيف من وطأة ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، في وقت يطرح فيه متابعون سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل يكتفي الحزب بإصدار بلاغات تطالب الحكومة بالتحرك، أم أنه مستعد لتحويل هذه المطالب إلى مبادرات عملية من داخل المؤسسات التي يشارك في تدبيرها؟
ففي بلاغ صدر عقب اجتماعه الدوري المنعقد يوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، سجل المكتب السياسي استمرار ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، وفي مقدمتها الغازوال والبنزين، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات على أسعار باقي المواد والخدمات، معتبراً أن هذا الوضع يضر بالقدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، وينعكس سلباً على المقاولات والاستثمار.
ودعا الحزب الحكومة إلى سرعة التدخل والتصرف بفعالية، والبحث عن حلول ممكنة واتخاذ إجراءات ناجعة للتخفيف من أعباء الغلاء، خصوصاً في ما يتعلق بالمحروقات والمواد الغذائية، وحماية القدرة الشرائية للأسر المغربية.
غير أن ما يستوقف في هذا الموقف ليس مضمون المطالب في حد ذاته، بقدر ما يحيط به من مفارقة سياسية؛ فحين يطالب حزب له موقع داخل الأغلبية أو المشاركة الحكومية الحكومةَ باتخاذ إجراءات مستعجلة، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة مساهمته في بلورة تلك الإجراءات، وعن حدود الفصل بين موقع المطالب وموقع المسؤول عن التنفيذ.
فهل قدم الحزب مقترحات عملية داخل دوائر القرار؟ وهل بادر إلى الدفع نحو إجراءات محددة، سواء تعلق الأمر بمراجعة آليات تسعير المحروقات، أو تشديد مراقبة السوق، أو حماية المستهلك من الممارسات المنافية للمنافسة؟ أم أن الأمر لا يتجاوز تسجيل الموقف السياسي وإعادة صياغة مطالب الشارع في قالب بلاغي؟
واللافت أيضاً أن البلاغ لم يقتصر على مطالبة الحكومة بالتدخل، بل عبر عن تفهمه لصعوبة الظرفية الدولية، وما تفرضه الاضطرابات العالمية على سوق المحروقات، كما أشاد بما وصفه بالنفس الديمقراطي والتخليقي والاجتماعي للحكومة الجديدة، وبإرادتها السياسية في مراقبة السوق وزجر الممارسات غير المشروعة ودعم القدرة الشرائية للفئات المستضعفة والطبقة المتوسطة.
وهنا تبرز مفارقة أخرى: كيف يجمع الحزب بين التنبيه إلى خطورة الغلاء والإشادة بأداء حكومة لا تزال، بحسب البلاغ نفسه، في بدايات انتدابها؟ وهل تشكل هذه الإشادة دعماً سياسياً لمسار حكومي لم تتضح بعد حصيلته، أم أنها محاولة لتفادي الظهور بمظهر المعارض لخيارات حكومة يشارك في دعمها؟
إن المواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف التنقل والمواد الغذائية والخدمات لا ينتظر بلاغات متكررة بقدر ما ينتظر إجراءات ملموسة، وقرارات قابلة للقياس، وجدولاً زمنياً واضحاً للتنفيذ. كما أن الإحالة على الاضطرابات الدولية، رغم أهميتها في تفسير جانب من تقلبات السوق، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعليق مسؤولية الحكومة عن مراقبة السوق وحماية المستهلك.
في النهاية، لا تكفي المطالبة بمحاربة الغلاء من داخل المشهد الحكومي لإقناع الرأي العام بجدية الموقف؛ فالمعيار الحقيقي هو الانتقال من لغة التنبيه إلى المساهمة في صناعة القرار، ومن تسجيل المواقف إلى تحمل المسؤولية.
أما أن يطالب الحزب الحكومة بالتدخل، ثم يشيد بإرادتها قبل أن تظهر نتائجها على أرض الواقع، فذلك يفتح الباب أمام سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل يريد التقدم والاشتراكية أن يكون شريكاً في القرار، أم مجرد صوت يعبّر عن قلق المواطنين من خارج دائرة المسؤولية؟
تعليقات الزوار