104927
تقتضي سنة التمحيص و قانون التدافع.
.
.
أن يكون للباطل امتداد في عمق الزمان و عمق المكان، يتمثل في أناس مصرّين على العيش له، أو العيش عليه.
.
.
إنها رِدّة، تتمحور حول حب الذات و الأنانية و استغلال الآخر حتى لو كان أقرب المقربين.
.
.
رِدّةٌ يُؤلّهُ فيها الجاه و المال، و تُلغى فيها الأعراف و المحرمات و تُبيح للنفس العيش من الشهوات حتى لو كان على حساب الكرامة و التفريط في الدين و الأرض و العرض و الولد.
حفنة أخرى من رماد ذاكرتي تطايرت، فأبيت ألا أفلتها حتى أشارككم بعضاً منها.
.
.
.
.
.
.
.
.
وضعت سماعة الهاتف و أقفلت الخط و الفرحة تزغرد في صدرها، سارت نحو فلذة كبدها ذات الخمسة عشر ربيعاً.
.
.
ضمتها إلى صدرها للحظة ثم همست في أذنها: ألا ترغبين في امتلاك بيت و سيارة فخمة و مبلغ فلكي في البنك؟ ردت في ذهول: بلا.
.
.
و لكن من أين؟ قالت: ستذهبين مع نورة في طائرة خاصة إلى أبوظبي، هناك سيتحقق لك كل ذلك.
.
.
ما أبشع المرأة حين تتجرد من ثوب الأمومة لتتحول إلى سمسار يتاجر في عِرضه و عِرض أبنائه.
.
.
.
ودّعت أمها على مضض، فلم يحدث أن ابتعدت عنها قبل الآن، و استقلت الطائرة الخاصة، مع نورة وثلة من الصبايا القُصّر المغرّر بهن، في اتجاه أرض الأحلام و الثراء السريع.
لم تكن تعلم أن ما ينتظرها هناك يختلف تماماً عما كانت تحلم به.
.
.
أو بمعنى أصح ما كانت تحلم به أمها.
و أن القدر يخبئ لها و لأمها ما لا تحمد عقباه.
مر وقت طويل قبل أن تحط الطائرة على ارض الأحلام، كان الوقت ليلا، و الجو شتاءً .
.
.
سيقت نورة و بضاعتها الى خارج المطار حيث كان في انتظارهن من عُهد إليه بمهمة توصيلهن إلى صاحب الشأن الذي كان ينتظر وصولهن لمعاينة البضاعة و التأكد بنفسه من جودتها.
.
.
بعد ذلك أمر نورة بتجهيز الصبايا لمرافقته في رحلة بحرية على متن يخته الملكي، و قرر ان يكون الإنطلاق في الصباح الباكر.
استسلم الجميع للنوم عداها، ظلت مستيقظة طوال الليل، قلقةً و تفكر.
.
.
فالسيد ليس إلا مراهقاً في مثل سنها أو يكاد يكبرها قليلا، و يبدو جلياً أن عقله مغيب تماماً فلم يطمئن قلبها لذلك.
رافقتهم في الصباح الباكر مكرهةً إلى اليخت، بدا الجميع سعيداً عداها.
.
.
توشّح وجهها بشحوبٍ غريب ممزوج بشرودِ ذهن يجعل الناظر إليها يشعر و كأنه أمام شبح.
انطلق اليخت يلج عباب الماء وسط صخب و هرج من الموسيقى و الغناء و المجون.
.
.
فتمايلت الأجساد و كثر الفساد و حضر إبليس شخصياً ليبارك مثل هذه التجمعات المحببة إلى نفسه.
لم يكن السيد راضياً عنها أبداً.
.
.
فهي لم تشاركهم في شيء، بل اكتفت بالإنزواء و النظر اليهم.
اقترب منها.
.
.
أمرها بالإنضمام إليهم فرفضت و هي لا تعلم أنها برفضها قد حكمت على نفسها بالإعدام؛ ففي ذلك إهانة لشخصه المريض و هدر لكرامته الملكية.
ثارت ثائرته و انسلخ مغيّبُ العقل و الإحساس عن جلد الآدمية الذي كان يخفي حيوانيته، و أمر زبانيته فأحضروا له سلاحه الذي رفعه في وجهها الشاحب ثم أفرغ شحنته كاملة في جسدها البكر قبل أن يأمر برمي جثتها خارج اليخت لتتغذى عليها الأسماك وسط ذهول و صعقة نورة و نعاجها اللواتي أجبرن تحت تهديد السلاح على إكمال رحلة الأُنس و المتعة و كأن شيئاً لم يكن.
.
.
عادت نورة و نعاجها الصغيرة تنقص واحدة.
.
.
عادت و بحوزتها ما أسكتت به الجميع عن مصير النعجة الناقصة.
.
.
فيا ترى كم من القطعان رحل؟ و كم من القطعان عاد؟ و كم من النعاج قد نقص؟ فهل من محاسب؟ أم أن لدينا فائض من النعاج فآثرنا تقديمه قرباناً لمن هم على شاكلة السيد؟
من يعرف الإجابة؟