العمل المنزلي

مصطفى مالكي

إضاءات حول العمل المنزلي من خلال توصيات منظمة العمل الدولية

تعريف عام:

العمل داخل المنزل هو مجهود بدني تقوم به مكونات الأسرة (الأم-الأب-الأطفال) بهدف توفير ضروريات الحياة من أكل و تنظيف.
.
.
وقد يمتد إلى خارج فضاء المنزل كالقيام بعمل البستنة أو السياقة ضمن الفضاء الأسروي.

غير أن العمل المنزلي الذي يعتبر من أقدم المهن في العالم، خلاف التعريف الأول، فهو حينما تستقدم أسرة عاملا غالبا ما يكون امرأة و في كثير من الأحيان طفلات للقيام بعمل لفائدة الأسرة بكاملها (مكونات المنزل) من طبخ و تنظيف و رعاية الأطفال أو كبار السن أو المعوقين و كذلك القيام بأشغال البستنة أو السياقة أو تقديم خدمات أمنية و هذه الأخيرة غالبا ماتسند إلى الرجال.

تعريف منظمة العمل الدولية:
تعرف منظمة العمل الدولية في المادة الأولى من اتفاقية العمال المنزليين 2011 رقم 189 العمل المنزلي على النحو التالي:
1.
يعني تعبير “العمل المنزلي” العمل المؤدى في أسرة أو أسر أو من أجل أسرة أو اسر.

2.
يعني تعبير “العامل المنزلي” أي شخص مستخدم في العمل المنزلي في إطار علاقة استخدام؛
3.
أي شخص يؤدي عملا منزليا من حين إلى آخر أو على نحو متقطع فقط و ليس على أساس مهني، ليس عاملا منزليا.

أ- العمالة المنزلية في تزايد مطرد:
الملاحظ أن العمالة المنزلية أو العمل المنزلي تنتشر وسط الشرائح الأكثر هشاشة و في الدول المتخلفة أو السائرة في طريق النمو، و ذلك نتيجة الفرص المحدودة لإيجاد فرص شغل في المؤسسات الإنتاجية أو الخدماتية أو الفلاحية أو في القطاع العام؛ و في أغلب الأحيان تكون بلدان الإساقبال للهجرة و خاصة ذات النمو المتقدم المستفيذة من هذه الشريحة من العمالة الأجنبية.
و نشير هنا وفقا لأحدث التقديرات العالمية و الإقليمية التي نشرتها منظمة العمل الدولية، هناك ما لا يقل عن 52.
6 مليون امرأة و رجل تفوق أعمارهم سن 15 سنة، يؤدون عملهم الرئيسي كعمال منزليين.
و يمثل هذا الرقم 3.
6°/° من العمالة بأجر في العالم.
و تشكل النساء الغالبية العظمى من العمال المنزليين بحوالي 43.
6 مليون عاملة أي نحو 83°/° من المجموع.

و يعتبر العمل المنزلي مصدرا هاما للعمالة بأجر بالنسبة للنساء، و هو ما يمثل 7.
5°/° من الموظفات في العالم.
غير أن هذه الأرقام الرسمية المتوفرة لدى منظمة العمل الدولية من طرف الأعضاء و الشركاء يمكن أن تكون أعلى بكثير.
و تبين البيانات المتاحة أن العمل المنزلي هو قطاع اقتصادي في تطور مطرد.

ب- قيمة العمل المنزلي:
في ظل غياب سياسات اجتماعية قوية تسمح بتحقيق نوع من التوازن بين عمل الأزواج (المرأة و الرجل) و الحياة الأسرية اليومية و متطلباتها من رعاية للأبناء إضافة إلى أعمال المنزل من تنظيف و تهييئ الطعام .
.
.
هذا العمل الذي كان من صميم عمل المرأة لوحدها إلى وقت قريب و لازال، لكن البيئة الاجتماعية و تحول الأسر من ممتدة إلى أسرة نووية على سبيل المثال المغرب و الدول السائرة في طريق النمو و المتقدمة طبعا.

هذه المعطيات الموضوعية تؤكد استمرار و أهمية تزايد الطلب على العمال المنزليين؛ بيد أنه لازلنا نلاحظ على أن العمل المنزلي لايزال ينظر إليه و خاصة في الدول ذات البنيات الثقافية التقليدية على أنه عمل سيء و محتقر، و يندرج ضمن النشاط الاقتصادي الغير المنظم الشيء الذي يجعل العاملين في “قطاع العمل المنزلي” لا يتوفرون على أدنى شروط الحماية الاجتماعية من عمل لائق يضمن لهم حقوقهم مقابل الواجبات التي يقومون بها.

و بما أن العمل المنزلي يندرج ضمن الاقتصاد الغير المنظم يجعله ذو طبيعة خاصة و على وجه التحديد أنه ينفذ في منزل خاص و غالب ا في غياب زملاء العمل، و في ظل عدم وجود عقد شغل مكتوب وأي إشراف خارجي في أحيان كثيرة.
و بما أن النظرة إلى العمل المنزلي على أنه خارج نشاط سوق الشغل “المنتج” فهو يستبعد من تشريعات الشغل و التوظيف سواء بشكل واضح أو ضمني.

ج- العمل اللائق و الاقتصاد الغير المنظم:
كما سبقت الإشارة فإن العمل المنزلي الذي يمارس في فضاء مغلق (داخل البيت)، هذه الطبيعة تجعل من الصعب التحكم فيه أو هيكلته لذا فإنه قطاع غير منظم بامتياز، و على هذا الأساس فإن التشريعات السياسية و القانونية تعتير أدوات ضرورية للقضاء على الجوانب السلبية للصفة غير المنظمة في قطاع العمل المنزلي، و تصمن في نفس الوقت فرص العمل اللائق و العمالة التي يوفرها العمل المنزلي تكون محمية و غير مهددة؛ و يشكل توسيع نطاق قانون الشغل (العمل) على العمال المنزليين أداة هامة في إدراجهم ضمن الإقتصاد المنظم.

و هناك جوانب أخرى من القانون مثل القانون المدني او القانون الجنائي أو قانون حقوق الإنسان توفر الحماية للعمال المنزليين باعتبارهم مواطنين لهم حقوق و عليهم واجبا؛ غير ان هذه القوانين على أهمية تفعيلها لا تستطيع أن تحل محل التشريعات التي تعالج على نحو أكثر تحديدا ظروف العمل و الحماية الاجتماعية للعمال المنزليين.

و أهمية إرساء قوانين للشغل (العمل) بالنسبة لفئة العمال المنزليين في مصلحة العمال أنفسهم و مصلحة مشغليهم و هو ما يسهل تشكيل و إضفاء الطابع الرسمي على علاقة الشغل.
إن قانون خاص بهذه الشريحة من العمال بكل تأكيد يسهل علاقة التواصل بين العمال و أصحاب العمل (المشغلين) عن طريق توفير مرجعية قانونية ملزمة.
و بالتالي خفض تكاليف المعاملات و معالجة عدم التوازن في السلطة بين الطرفين، و ضمان شروط العدالة الاجتماعية و توفر ترسانة قانونية تضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية تكون ملزمة و واجبة تحت إشراف أجهزة المراقبة للدولة و القضاء.

توجهات منظمة العمل الدولية في موضوع العمالة المنزلية:
اعتمد مؤتمر العمل الدولي لمنظمة العمل الدولية في يونيو 2011 اتفاقية تتعلق بالعمال المنزليين رقم 189 و التوصية المكملة لها رقم 201.
و تجدر الإشارة لأن هذه المرة الأولى التي تقوم فيها منظمة العمل الدولية بوضع معايير للشغل (العمل) تهم شريحة واسعة من العمال و التي تتكون في غالبيتها من النساء و الأطفال دون السن القانوني للعمل.

و تطرح هذه الاتفاقية التي تحمل عنوان (( اتفاقية العمل اللائق للعمال المنزليين)) و تحمل رقم 189، مايلــــي:
التزام منظمة العمل الدولية بتعزيز العمل اللائق للجميع عن طريق تحقيق أهداف إعلان منظمة العمل الدولية يشأن المبادئ و الحقوق الأساسية في الشغل (العمل)؛ و إعلان منظمة العمل الدولية بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة.

الاعتراف بالدول الفعال لهذه الشريحة من العمال في الاقتصاد العالمي.

اعتبار هذا النوع من الشغل لا زال يعتبر عملا ناقصا “محتقرا” معرض لانتهاك حقوق الإنسان في الكرامة و العيش الكريم،
إدراكا من منظمة العمل الدولية أن البلدان النامية تعرف خصاصا كبيرا في إيجاد فرص عمل منظمة و يشكل العمال المنزليين نسبة كبيرة من القوى العاملة و يظلون من بين أشد شرائح العمال تهميشا.

تذكير هــــام: اتفاقيات و توصيات العمل الدولية تنطبق على جميع العمال بمن فيهم العمال المنزليين، مالم يكن منصوصا على خلاف ذلك.

اتفاقية العمال المنزييين 2011 (رقم: 189)
المادة 01: تتخذ كل دولة عضو تدابير تضمن على نحو فعال تعزيز و حماية حقوق الإنسان لجميع العمال المنزليين، كما هو وارد في هذه الاتفاقية.

المادة 02: تتخذ كل دولة عضو تدابير تضمن أن يتمتع العمال المنزييين، شأنهم شأن العمال عموما، بشروط استخدام عادلة فضلا عن ظروف عمل لائقة، و إذا كانونا مقيمين مع الأسرة، بظروف معيشة لائقة تحترم حياتهم الخاصة.

خلاصة:
إن فئة العمال المنزليين الذين يصنفون في وضعية الفئة الأكثر هشاشة ضمن عموم العمال، و هم في غالب الأحيان من النساء و المهاجرين؛ و يعد العمل من أجل إدراجهم في القطاع المنظم عبر آليات قانونية و مؤسساتية و ذلك من خلال سن تشريعات وطنية و قوانين خاصة في ميدان الشغل و التشغيل و الحماية الاجتماعية للعمال آخدين بعين الإعتبار توصيات منظمة العمل الدولية في هذا الشأن.

إن قضية المساواة في الأجر بين الجنسين و المساواة في الحماية في ظل القانون هي في آخر المطاف تتعلق بحقوق الإنسان.
و كما تؤكد على ذلك لجنة الامم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في سياق المادة 06 (الحق في العمل) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية: (( العمل المنزلي.
.
.
يجب أن ينظم بشكل صحيح من خلال التشريعات الوطنية، حيث يتمتع العمال المنزليين بنفس المستوى من الحماية المتاح للعمال الآخرين)).

ملحوظة أساسية:
إن المملكة المغربية في شخص وزارة التشغيل و التكوين المهني سابقا حاليا وزارة التشغيل و الشؤون الإجتماعية أعدت مشروع قانون بتحديد شروط الشغل و التشغيل المتعلقة بالعمال المنزييين يتضمن خمسة أبواب، الباب الأول يعرض لأحكام عامة و يحدد مفهوم العامل المنزلي و كذا صاحب البيت ثم الأشغال المرتبطة بالبيت، الباب الثاني يحدد شروط تشغيل العمال المنزليين، الباب الثالث يتناول حقوق العمال المنزليين التي تشمل الراحة الأسبوعية و العطلة السنوية و أيام الأعياد الوطنية و الدينية و أيام العطل؛ أما الباب الرابع فيتناول الحقوق المرتبطة بالأجرة و الباب الخامس و الأخير يتطرق لكيفية القيام المراقبة بهذا “القطاع” و كذلك العقوبات.
و سنعود إلى هذا الموضوع في قراءة تحليلية نقدية في فرصة أخرى.

مكناس في 13 مارس 2014

من إعداد: مصطفى مالكي
متصرف بالمندوبية الإقليمية للتشغيل بمكناس
مكلف بالحماية الإجتماعية للعمال
فاعل جمعوي و حقوقي

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد