وانّا إِرَانْ أحْواشْ أورَا إِحْبّا تَمَارْثْ

أحمد اضصالح

  مع نهاية كلّ فصل من حياتنا، وبداية آخر، ينتابنا شعور غامض نتوق عبره نحو الأفضل في كلّ شيء، نتبادل التّهاني، ونبارك طول الأعمار، نسترجع ذكريات الماضي، ونحمل ممحاة نزيل بها ما علق بنا من شوائب لا تليق بسيرتنا أبدا، نضحك تارة ونتحسّر تارات أخرى على ضياع لحظات ما كان ينبغي لها ذلك، نعد أنفسنا أن نتغيّر بتغيّر أعداد السّنوات، ونضرب موعدا مع الأمل والحبّ والكفاح، نطلق الوعود الواحد تلو الآخر، نتبع في ذلك أبناء الشّمال الذين يتّخذون اليوم عيدا، يتزاورون، ويشترون الهدايا لأطفالهم، يبتسمون في وجه الغرباء، ويضعون على رؤوسهم قبّعة، ويتنكّرون في ثوب برتقالي، بلحية بيضاء، اعتقدوا أنّها لقدّيس قادم من القطب الشّمالي، يدخل البهجة في النّفوس، ويحنّ على أبناء الفقراء والمساكين.

  سنة 2015 انقضت، بما لها وما عليها، بآلامها وآمالها، بأفراحها وأتراحها، ومعها “نويل” ب”ماركة مغربية” مسجّلة، رأيناه على شاكلة شريط مرّ أمام أعيننا في ظرف وجيز، رأيناه في زلات لسان وزراء ما زالوا يتدرّبون على فنّ الخطاب السّياسي، فمن قائل إنّه “لا يعرف العربيّة” وهو الذي ينبغي له أن يتقنها أيّما إتقان، ومن قائل: “كانسرح بنادم” عطفا على كونه “سرح” الغنم صغيرا، ومن قائلة: إن “العربية كادير ليا السخانة” في الوقت الذي حطّمت فيه كلّ الأرقام القياسية في الاشتغال (22 ساعة)، وقائلة إن تقاعد البرلمانيين في بلد “أنفكو” وثلوج الأطلس والمغرب العميق ليس إلاّ “2 فرنك” !!.

 وفي خضمّ هذه التّصريحات التي تقع كالصّاعقة على قلوب المغاربة قبل أن تجد لها صدى عند “حزب الفايسبوك” بما له من قوّة في الإقناع والتّأثير في الرأي العام، وسرعة الإدانة والمحاكمة، رأى المغاربة فئة من النّاس تتظاهر في سبيل “الصّاية” بمدينة أكادير بين مؤيّد ومعارض، ودفعهم فضولهم إلى مشاهدة فيلم يدعى “الزّين اللّي فيك”، وما هو بذلك، رأوا معاقة لم تشفعها إعاقتها من اغتصاب المحارم وظلم ذوي القربى، ورأوا عصابة مدجّجة بالسّيوف تحرق شابّا ينطّ ويصرخ لمّا شبّت في جسده ألسنة لهب.
.

 وضع المغاربة قلوبهم على أيديهم خوفا على مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي والثّقافي، سمعوا خطابات السّاسة ووعودهم في انتخابات الرابع من شتنبر، تابعوا “الدراما” السياسية عند كلّ ملحمة كلاميّة، تابعوا جلسات البرلمان كما لم يفعلوا من قبل، تحسّسوا جيوبهم حتّى لا تفلس أسوة بالصّناديق، تجرّعوا كثيرا آلام “الإصلاح في ظلّ الاستقرار”، صار البصل بسبعة دراهم في عاصمة سوس، وكذّب المقولة الشّعبية التي احتقرته على الألسن “مايسوا تّا بصلة !”، وخاف مَن طمِع في معاش على معاشه أمام دعوات تمديد سنّ التقاعد.
.

  كلّ هذا ودول الرّبيع في شمال إفريقيا والشّرق تكتوي بخريف القحط والدّم والقتل، ففي سوريا تصلنا أخبار التّحالفات والمؤامرات الدّولية يوما بعد يوم، وفي ليبيا استمر القتل إلى ما بعد القذّافي وعجزت التّوافقات عن الحدّ منه، وفي بلد “البوعزيزي” ارتدادات قويّة بعد حادثة “الكرّوسة”، وفي مصر تقلد المشير “عبد الفتّاح السّيسي” مقاليد الرئاسة وأزاح كلّ من وقف في طريقه بما توفّر لديه من وسائل غير مشروعة.
.

  أمّا بلدنا هذا فاختار ربيعا آخر، أقلّ تكلفة ممّا هو حاصل في محيطه، فاستجابت النّخب الحاكمة لأبرز مطالب الحراك المجتمعي 20 فبراير، في وثيقة دستوريّة متقدّمة (2011)، وانتخابات مبكّرة حملت حكومة جديدة إلى سدّة التسيير، ونقاشا مغايرا لإيصال سفينة “الدّيموقراطية” إلى برّ الأمان، ورغم ذلك، ما زالت الحشمة تعلو محيّا القرارات التي كثيرا ما عرفت طريقها نحو جيوب “الحائط القصير”، وقوانين تنظيمية جُمّدت في ثلاّجات تشريعية، لافتقارنا إلى نخب في مستوى تطلّعات النّصّ الدستوري الجديد، وقاعدة تعاني الثّقة في نفسها وفي قرارات ممثّليها.

  2016، تتطلّب حزما وجدّية، ونفسا جديدا يستحضر أخطاء الماضي، ويتطلّع نحو مستقبل زاهر لهذا البلد، من حاكمين ومحكومين، وشجاعة سياسية من الجميع تراعي المرحلة الرّاهنة، فقديما ردّد أجدادنا:

وانّا إِرَانْ أحْواشْ أورَا إِحْبّا تَمَارْثْ”- الذّاهب إلى رقصة أحواش لا ينبغي له أن يخفي لحيته-.

 

.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد