هبة زووم – الرباط
أعاد قرار الحكومة القاضي بالعودة إلى التوقيت القانوني للمملكة خلال شهر شتنبر المقبل فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب، وهو ملف الساعة الإضافية الذي تحول، منذ اعتماده بشكل شبه دائم، إلى قضية تتجاوز مجرد ضبط عقارب الساعة، لتلامس طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وحدود التوازن بين متطلبات الاقتصاد العالمي وانتظارات المواطنين.
فالتبرير الذي قدمه رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، والقائم على ارتباط المغرب بالمنظومة الاقتصادية الدولية، وبحركة النقل الجوي، والمبادلات التجارية، والخدمات العابرة للحدود، يعكس رؤية تعتبر عامل الزمن جزءاً من تنافسية الاقتصاد الوطني. وهي مقاربة تجد سندها في واقع اقتصادي أصبحت فيه سلاسل الإنتاج والخدمات والأسواق المالية تعتمد تنسيقاً زمنياً دقيقاً بين مختلف الدول.
غير أن هذا التبرير، رغم وجاهته من الناحية الاقتصادية، لا يضع حداً للنقاش المجتمعي الذي ظل قائماً منذ سنوات، لأن الإشكال بالنسبة لعدد كبير من المواطنين لا يتعلق فقط بالتوقيت الرسمي، وإنما بتأثيراته اليومية على نمط العيش، وساعات العمل والدراسة، والتنقل، والصحة النفسية والجسدية، خاصة خلال فصل الشتاء.
لقد أظهرت التجربة أن الساعة الإضافية ظلت من أكثر القرارات الحكومية إثارة للجدل، إذ لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء توافق مجتمعي واسع حولها. فكلما عاد النقاش إلى الواجهة، تجددت المطالب بمراجعة هذا الاختيار، في مقابل تمسك الحكومة بمنطق الاستقرار وربط القرار بالاعتبارات الاقتصادية.
وفي الواقع، يبرز هنا سؤال جوهري: هل ينبغي أن تكون الأولوية للتنافسية الاقتصادية وحدها، أم أن جودة الحياة والراحة الاجتماعية يجب أن تشكل بدورها معياراً أساسياً في رسم السياسات العمومية؟
الاقتصاد بلا شك يحتاج إلى الانفتاح على الأسواق العالمية، وإلى تقليص الفوارق الزمنية مع الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين، غير أن نجاح أي سياسة عمومية يظل رهيناً بقدرتها على تحقيق التوازن بين المردودية الاقتصادية والقبول المجتمعي. فالسياسات التي تفتقد لهذا التوازن غالباً ما تستمر في إنتاج الجدل، مهما كانت مبرراتها التقنية.
ومن زاوية اقتصادية، يصعب إنكار أن توحيد التوقيت مع بعض الشركاء خلال فترات معينة قد يسهل المعاملات التجارية، ويحسن تدبير الرحلات الجوية، وييسر عمل الشركات متعددة الجنسيات ومراكز الخدمات العابرة للحدود. غير أن هذه المكاسب تحتاج بدورها إلى تقييم دوري وشفاف يوضح للرأي العام حجم أثرها الفعلي على الاقتصاد الوطني، ومدى انعكاسها على الاستثمار والإنتاجية.
في المقابل، يرى منتقدو الساعة الإضافية أن كلفتها الاجتماعية تستحق بدورها التقييم، سواء من حيث تأثيرها على الأسر، أو على التلاميذ الذين يغادرون منازلهم قبل شروق الشمس في بعض الفترات، أو على الموظفين والعاملين الذين تتأثر وتيرة حياتهم اليومية بتغيير التوقيت.
ومن هنا، يبدو أن جوهر النقاش لم يعد يدور حول تقديم الساعة أو تأخيرها، بقدر ما يتعلق بطريقة صناعة القرار العمومي. فكلما كانت الحكومة أكثر انفتاحاً على النقاش العمومي، وأكثر حرصاً على نشر الدراسات والمعطيات التي استندت إليها في اتخاذ القرار، ارتفعت مستويات الثقة وتراجعت حدة الجدل.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال ملف الساعة القانونية في كونه قضية تقنية مرتبطة بعقارب الزمن، بل هو اختبار لقدرة السياسات العمومية على التوفيق بين متطلبات الاقتصاد العالمي وخصوصيات المجتمع المغربي.
فالاقتصاد يحتاج إلى الانفتاح والتنافسية، كما يحتاج المواطن إلى سياسات تراعي جودة حياته اليومية. وبين هذين الاعتبارين، يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد صيغة تحقق التوازن، حتى لا تتحول الساعة، مع كل تغيير، إلى عنوان متجدد لنقاش لا ينتهي.
تعليقات الزوار