afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

التقوى في إطار خطبة المتقين للإمام علي رضي الله عنه

فدوى محمد الفكي

فدوى محمد الفكي

التقوى هي السهل الممتنع، هي “سهلة” لأن طريقها معروف بوضوح وهناك إطار واضح تفصيلي نستطيع العمل ضمنه ولكنه “ممتنع” لأنه يتطلب جهاد نفس دائم ووعي مستمر بجودة قراراتنا وتأثيرها على الاخر وغير ذلك من الأمور..

ترك لنا الامام علي رضي الله عنه اطار عملي واضح يساعدنا على الاتجاه للتقوى أورده في خطبة المتقين:

(أما بعد فان ﷲ سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه، فقسم بينهم معايشهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم..

 فالمتقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم ﷲ عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الاجل الذي كتب ﷲ عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب، و خوفا من العقاب..

عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها،فهم فيما منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونةوشرورهم مأمونة، أجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ..

أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلا يحزنون به أنفسهم، ويستشيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليه مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم. فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم، وأكفهم، وركبهم، وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى ﷲ تعالى فكاك رقابهم.

وأما النهار فحلماء، علماء، أبرار، أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، وإذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم مني بنفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ..

فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر يبيت حذرا، ويصبح فرحا: حذرا لما حذر من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة.

إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره حريزا دينه،ميتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون..

إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين، لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شره ..

في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض،ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولاينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق.

إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون ﷲ هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لاخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة)..

تكمن قوة وروعة هذه الخطبة في أنها اطار عملي واضح لمن ينشد التقوى فأنت الان تعرف أنه يجب أن يكون:

– منطقك الصواب

– ملبسك الاقتصاد

 – مشيك التواضع

– تغض بصرك عما حرم ﷲ عليك

– توقف سماعك على العلم النافع لك وهكذا استنادا للمذكور ..

وإذا فصلت الخطبة يا اخي ستجد أنها تتكون من أكثر من 90 بند كل منها قابل للفهم والتطبيق بمعزل عن الاخر ولكن ضمن ذات الاطار ومحصلة التنفيذ الحقيقي العميق المخلص لله لكل تلك البنود هو قفزة كبيرة باتجاه التقوى وتغيير هائل في الشخصية.. المهم أن يكون التغيير على مستوى التفكير والشعور والمنظور ولا يقتصر على السلوك فقط..

 إذا نفذت البند الأول ولم أنطق غير الصواب ولكن بداخلي بركان هائج ورغبة عارمة بالأذى والتجريح واقوامها على مستوى اللسان فقط فقد يكون تقواي خالي من الحقيقة، قشرة قابلة للكسر بأي وقت.. فهل نحن مستعدون أن نمشي على نهج التقوى بكل ما فينا؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد