هبة زووم – الدار البيضاء
لم يقتصر اسم القرض الفلاحي عن كونه مؤسسة مرجعية في الخدمات المالية والبنكية الموجهة للاستثمار الفلاحي بالمغرب، بل تعدها الى أكثر من ذلك عندما أصبحت المؤسسة البنكية الأكثر ارتباطا بقضايا الإختلاس والتجاوزات المالية أبطالها مدراء وأطر وموظفون بالمؤسسة.
ولعل “التقرير الفضيحة” الصادر سنة 2012 والذي تداولته العديد من الصحف الوطنية حول الوضعية المالية والإدارية لمؤسسة القرض الفلاحي المغربي دليل قاطع على مدى الاستهتار والعبث الذي وصل إليه تدبير هذه المؤسسة البنكية، حيث ضم هذا التقرير العشرات من الوثائق التي ترصد العديد من الاختلالات والتجاوزات تتعلق بخروقات في المساطر وتبديد أموال المؤسسة بسبب “المحاباة” والمجاملات التي لا يؤطرها القانون التجاري بل تخضع لقاعدة “أباك صاحبي”.
هو التقرير الذي وُضع على طاولة وزارة العدل آنذاك ولم يسفر سوى عن اعفاء المدير العام السابق من دون توقيع أي متابعة قضائية سواء في حقه أو في حق من كان يدور في كنفه، فهل سيعاد سيناريو ملف البنك السياحي و العقاري “CIH” الذي ظل تسع سنوات يجوب المحاكم وانتهى بالزج بموظفين صغار في السجن بينما مصير 15 مليار سنتيم التي تم اختلاسها ظلت في عداد المجهول لحد الآن، وضل أبطال هذه الفضيحة أحرارا طلاقاء؟
فكل المؤشرات والوقائع تفيد أن ما جرى على مسؤولي البنك السياحي والعقاري هو نفسه ما سيجرى على مسؤولي القرض الفلاحي لنصل في الأخير الى خلاصة واحدة هو أن الموظف البسيط هو في الغالب من يؤدي ثمن ما يقترفه مسؤوليه على اعتبار أن التحقيقات تقف عنده ولا تجرؤ على الذهاب أبعد من ذلك.
وعندما نميط اللثام عن قضية اختلاس اموال وكالة القرض الفلاحي زنيت بسيدي معروف بالدار البيضاء ستتأكد لنا هذه الحقيقية المرة، وسنعي جيدا أن ثمن فساد الكبار لا يؤديه سوى الموظفين الصغار.
القضية بدأت عندما وضع مدير وكالة القرض الفلاحي زنيت بسيدي معروف نفسه رهن العدالة بمجرد عودته الى أرض الوطن بعدما دامت مدة فراره أزيد من سنة لتتم إدانته ابتدائيا بسبع سنوات سجنا رغم الضمانات التي قُدمت له بتلقي عقوبة مخففة. لتتبخر الوعود وتنجلي الضمانات بمجرد أن أصدر قاضي التحقيق أمره للفرقة الوطنية للشرطة القضائية بتعميق البحث في الملف بعد أن تبين له احتمال وجود أطراف أخرى لها علاقة بالقضية، وأن إدانة مدير وكالة القرض الفلاحي زنيت ما هو إلا طرف الخيط الذي سيوصل الى باقي رؤوس الشبكة المحتملين.
وهو ما تأكد لعناصر الفرقة الوطنية بعد الاستماع الى الموظفين المشتبه ويتبين لها أن مسؤولية العمليات المالية مبرمة تدخل ضمن اختصاصات المدير الجهوي للقرض الفلاحي للمقاولات بجهة الدار البيضاء الذي قدم استقالته قبل اسبوعا فقط من انفجار القضية وخروجها الى العلن، ويلتحق بعدها للإشتغال بإحدى الشركات التي أغدق عليها من أموال بنك القرض الفلاحي قروضا عديدة في اطار تمويل مشاريعها عندما كان مديرا جهويا.
فهل من الطبيعي أن يستغني اطار بنكي من حجم مدير جهوي المكلف بالمقاولات على امتيازات عديدة من قبيل المكانة الاجتماعية والعزوة وسيارات خاصة بسائقين وتعويضات سمينة ومكافأت سخية وينتقل للاشتغال كأجير بشركة تشتغل في قطاع الانتاج الفلاحي كانت واحدة من زبنائه؟ وما هي الاسباب التي جعلت صاحب هذه الشركة يقبل بانظمام المدير المستقيل إليها؟ ألا تدخل أفعال هذا المدير في إطار الشبهة؟ اسئلة واخرى من المؤكد أن تتوصل الفرقة الوطنية الى الاجابة عليها وفك طلاسيم هذا اللغز الذي سيجر لامحال رؤوسا كبيرة بمؤسسة القرض الفلاحي..