عبدالعالي حسون
إن الحديث عن موضوع التنمية وأوضاعها في سياق ما يتم نشره و تسويقه إعلاميا في الآونة الأخيرة، فرض طرح مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن معالجتها بشكل جامع ومانع في بضعة سطور أو فقرات. لكن سأحاول المساهمة في النقاش من خلال تقديم بعض عناصر الإجابة لنفض الغبار عن بعض الإشكالات التي تفرض على أصحاب القرار والمهتمين والإعلاميين، البحث فيها بعمق من أجل استجلاء الحقيقة كاملة والنظر إلى المستقبل التنمية التي يستحقها هذا الوطن.
التنمية هي مطمح كل بلد لتجاوز أمراض التخلف وتحرير الإنسان والمجتمع من الجهل والفقر والمرض ولهذا اكتسبت “التنمية” دلالة الحل (لسحري) لقضايا المجتمعات الإنسانية ومشكلاتها وبخاصة عندما وضعت أدبيات التنمية ما يسمى بالبلدان “المتقدمة” مقابل البلدان “المتخلفة” أو “النامية” وأكدت أن الفرق بين المجموعتين هو نتاج التنمية في الأولى وقصورها في الثانية.
لابد من الاعتراف بان واضعي خطط التنمية وصانعي القرار الاقتصادي والاجتماعي وعلى غرار صانعي القرار السياسي يضعون مشاريع لصالح الشعب التجريدي- المتخيل لا لصالح الشعب الحي – المتغير وجميع الأعمال التخطيطية تأتي في الحقيقة نتيجة النظرة الاغترابية تجاه المستوى الاقتصادي في البلدان المتطورة صناعيا وبذلك تأتي هذه المشاريع ” التنموية” بنتائج عكسية أي بتعميق التبعية التكنولوجية والاقتصادية تجاه الغرب.
في الحقيقة أن الأعمال المسماة بالتنمية هي في معظمها الأعمال المسؤولة عن بقاء التخلف وعن التبعية وزيادة اختلال توازن المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وحضاريا.
إن محدودية التنمية عندنا تظهر وبشكل فاضح في عزلة المجال الاقتصادي عن المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية وكثيرا ما سارت اتجاهات متضادة متعاكسة في هذه المجالات ما بين الاقتصادي و السياسي أو ما بينهما من جهة معا وما بين التربية والثقافة من جهة أخرى، وكثيرا ما أدت هذه الاتجاهات المتعاكسة إلى إجهاض أهداف هذه المشاريع التنموية.
كما تظهر مشاريع التنمية عندنا وكأنها غاية في ذاتها إلى درجة إن المحدودية تدفع أحيانا إلى اعتبار المشروع التنموي في حد ذاته غاية منفصلة عن بقية غايات المشاريع الأخرى الثقافية والتربوية.
إننا في حاجة إلى مشاريع صغيرة متوسطة متواضعة تقام وتستنبت في قرانا وحواضرنا وفي أحزمة البؤس التي تسيج مدننا بشرط أن تراعي هذه المشاريع الحاجات الحقيقية للمعنيين، وبشرط أن يتمكن هؤلاء من تنفيذ مشاريعهم بإرادتهم وديناميكيتهم حتى تأتي هذه المشاريع بالفائدة الحقيقية لهذه الفئات المسحوقة من المجتمع.
إن النظر إلى التنمية بأنها مجرد توسع اقتصادي يتحقق عن طريق استثمار موارد مالية ضخمة هو خطا شاسع وقعت فيه بلداننا ومعظم بلدان العالم السائر في طريق النمو تحت تأثير التبعية الاقتصادية للغرب وعدم فهم ماهية الاقتصاد السياسي في المجتمع.
فالتاريخ الاقتصادي الأوربي علمنا في الماضي خلال الثورة الصناعية إن التقدم البطيء في الإنتاجية الفردية في المدن والقرى والمراكز الحضرية الصغيرة والمتوسطة وفي أوساط الحرفيين والمهنيين هو الذي كان الدعامة الكبرى للثورة الصناعية في أوربا وهذا التقدم لا يتطلب استثمارات ضخمة بل يتطلب تغييرات تدريجية في التنظيم المجتمعي.
قد نختلف في وجهات النظر وقد نختلف حول مساحة الكون، لكن لا يمكن الجدال أبدا حول الميزانيات الضخمة التي يتم تدبيرها في غير مكانها الأصلي فهي تعتبر بمثابة سفن ترصوا في ميناء القراصنة بدل أن ترصوا في ميناء الشعب، فلصوص المال العام أصبحوا أكثر من عدد الذرات المتواجدة في الكون و السبب في ذلك هو أن آلة المتابعة دائما تتعطل عند متابعة الملفات الشائكة و المحصنة بالفولاذ، بينما تطبق بحذافيرها على فقراء الشعب ويتم طحنهم بصفة نهائية.
تعليقات الزوار