هبة زووم – الحسن العلوي
في مغرب المفارقات، انتقلنا من الجدل حول “أغنى معلم” في سنوات مضت، إلى صدمة وجود “أغنى أستاذ جامعي”، لا بفضل إنتاج علمي أو تفوق أكاديمي، بل بفعل منظومة معطوبة تسمح باستغلال التعليم كأداة للثراء السريع والوجاهة السياسية.
وبين هذا وذاك، يبدو أن حزب الاتحاد الدستوري – أو ما تبقى منه – قد فقد بوصلته بين مراكمة الألقاب والبحث عن الواجهة بأي ثمن.
في مؤسساتنا الجامعية، لم تعد الكفاءة العلمية هي بوابة التعيين أو الترقية، فالمنطق الحاكم صار قائمًا على الولاءات الحزبية، والتوازنات الجهوية، والترضيات، بل وأحيانًا على شبكات الزبونية والقرابة، فلجان الانتقاء والتقييم أضحت أداة لتكريس الرداءة، حيث تُمنح المناصب لمن لا يستحق، ويُقصى من يحمل تجربة أكاديمية حقيقية.
هكذا، تتحول الجامعة من فضاء للعلم والمعرفة إلى مركز مغلق لتوزيع الغنائم، ومن نتائج ذلك، ظهور “نخب” جامعية مشكوك في أهليتها، تمارس التأطير، وتُصدر الأحكام، وتُكوّن الأجيال، بينما هي نفسها تفتقد لأبسط شروط النزاهة العلمية أو الأخلاقية
الأستاذ الجامعي المعني، الذي صار حديث الأوساط الجامعية والسياسية، ليس اسمًا عاديًا في المشهد، بل شخصية تجمع بين الأدوار: أستاذ، ومؤطر لبعض الولاة والعمال، وتاجر دبلومات معروف بين الطلبة، بل وحتى بعض زملائه من الأساتذة، الذين لم يترددوا في التحذير من ممارساته.
الخطير في الأمر، أن لهذا الأستاذ سوابق في الاتجار بالنقط مقابل الجنس، والتلاعب بمصير الطالبات، كما راجت شكايات خطيرة ضده، طُويت في ظروف غامضة، دون أن يُفتح فيها تحقيق جاد، ما يعيد فتح سؤال: من يحمي هذا الأستاذ؟ ومن يغض الطرف عن تجاوزاته؟
وللمفارقة، لا يكتفي هذا الأستاذ بتكديس الثروات عبر الممارسات المشبوهة، بل يرأس مركزًا وطنيًا يعقد الندوات حول “تخليق الحياة العامة” و”حقوق الإنسان”، ويوقع اتفاقيات في نفس المواضيع التي يخرقها عمليًا.
الأكثر سخرية أنه يتزعم الرابطة الدستورية للقانونيين داخل حزب الاتحاد الدستوري، رغم أنه لم ينضم إلى الحزب إلا قبل أسابيع، في حركة تعكس بؤس النخب السياسية وغياب أي معايير جدية في الانتساب والتعيين داخل الأحزاب.
ما يحصل ليس استثناءً، بل تجلٍ صارخ لمنظومة متشابكة تتقاطع فيها المصالح الأكاديمية بالحزبية، وتُقبر فيها الكفاءة تحت ركام التواطؤ والصمت. جامعات تتحول إلى إقطاعيات صغيرة، وأحزاب إلى ملاذات لتبييض السُمعة.
إن ظهور “أغنى أستاذ جامعي” ليس مدعاة للفخر، بل دليل إضافي على الفشل في حماية المرفق العمومي من التسيب، والفشل الأكبر في ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فهل ننتظر فضيحة مدوية حتى يُفتح التحقيق؟ أم أن “الاستقرار الزائف” الذي ينتجه هذا النمط من النخب سيظل هو القاعدة؟ في النهاية، كما يُقال في المغرب: “أشياء لا يمكن أن تحدث إلا هنا”.
تعليقات الزوار