هبة زووم – أحمد الفيلالي
في المشهد السياسي المغربي، لا تُقاس نهاية المسارات بالانسحاب الرسمي أو الاعتزال المعلن، بل غالبًا بما هو أخطر: فقدان التأثير.
وفي هذا السياق، يبدو أن المسار السياسي لمحمد جودار دخل مرحلة جمود عميقة، إن لم نقل نفقًا مسدودًا، انعكاسه المباشر هو الارتباك الذي يطبع وضع حزب الاتحاد الدستوري، المعروف رمزيًا بـ”حزب الحصان”.
جودار، الذي شق طريقه السياسي عبر حزب “البراد” قبل أن يستقر داخل الاتحاد الدستوري، قدّم نفسه لسنوات باعتباره نموذجًا للقدرة على المناورة داخل الخريطة الحزبية، مستفيدًا من المال والعلاقات أكثر من اعتماده على مشروع سياسي واضح أو خطاب متجدد، غير أن ما كان يُحسب له بالأمس كبراغماتية، بات اليوم عبئًا ثقيلًا في سياق سياسي تغيّرت فيه قواعد اللعبة.
يمكن القول، دون مبالغة، أن محمد جودار فقد الكثير من رصيده السياسي محليًا، وأضحى حضوره محصورًا في هوامش التأثير، معتمدًا على ما تبقى من شبكات قديمة، في وقت لم تعد فيه التحالفات الظرفية أو “الفهلوة السياسية” كافية لضمان البقاء في مواقع القرار.
فالسياسة اليوم، خاصة في المدن الكبرى، باتت مرتبطة بالقدرة على بناء قواعد انتخابية ثابتة، وتجديد الخطاب، ومواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وهي شروط يبدو أن جودار لم يستطع مسايرتها بالزخم ذاته الذي طبع بداياته.
هذا التراجع لا يخص شخصه فقط، بل ينعكس بشكل مباشر على حزب الاتحاد الدستوري، الذي يعيش بدوره حالة ضبابية في القيادة والتموقع، وسط تساؤلات حول قدرته على تجديد نخبته أو الاستمرار في لعب أدوار مؤثرة في الاستحقاقات المقبلة.
في موازاة هذا الأفول، تعود إلى الواجهة فصول قضية سعيد الناصري، القيادي السابق في حزب الأصالة والمعاصرة، والتي تجاوزت طابعها القضائي لتكشف، مرة أخرى، عن آليات اشتغال جزء من السياسة المحلية خارج المؤسسات.
ما بات يُعرف إعلاميًا بقضية “إسكوبار الصحراء” لم يعد مجرد ملف جنائي، بل تحوّل إلى مرآة عاكسة لكيفية صناعة “نخب فاسدة” أو إفساد ما صلح من النخب، داخل فضاءات مغلقة، حيث تُهندس الخرائط الانتخابية، وتُوزع المناصب، وتُمنح التفويضات، وتُقاسم “الغنائم” في شكل صفقات ورخص وامتيازات.
وفق ما راج في جلسات المحاكمة، لم تكن الفيلا موضوع القضية مجرد مسكن فاخر، بل فضاءً غير رسمي تُدار فيه خيوط السلطة المحلية، وتُتخذ فيه قرارات تمس الشأن العام، أحيانًا خارج أي منطق ديمقراطي أو مؤسساتي، في اختزال خطير للعمل السياسي إلى شبكة مصالح وعلاقات نفوذ.
الربط بين مسار جودار وما تكشفه قضية الناصري ليس اعتباطيًا. فالأمر يتعلق بأزمة أعمق تضرب جزءًا من المشهد الحزبي المغربي، حيث انتهى زمن “السياسي القابل لكل الاستعمالات”، وبات الرأي العام أكثر وعيًا بكلفة هذا النموذج على الثقة والمؤسسات.
إن ما نشهده اليوم ليس سقوط أشخاص فقط، بل تآكل نموذج كامل من الممارسة السياسية، قائم على المال، والولاءات، والغرف الخلفية، نموذج لم يعد قادرًا على الصمود أمام تحولات المجتمع، ولا أمام مطالب المحاسبة والشفافية.
تعليقات الزوار