هبة زووم – محمد خطاري
تحوّلت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، خلال الأشهر الأخيرة، إلى مسرح صراع سياسي وإداري بين الوزير يونس السكوري وكاتب الدولة المكلف بالتشغيل هشام الصابري، في مشهد يُسلّط الضوء على أعطاب بنيوية أعمق تعاني منها بنية الحكومة المغربية، خاصة في ما يتعلق بتوزيع الاختصاصات وتداخل الولاءات الحزبية مع منطق التدبير العمومي.
القضية التي كانت لوقت طويل محصورة في الكواليس، تفجّرت مؤخرًا إلى العلن بعدما كُشف أن الوزير السكوري لم يُفوض أي صلاحيات إلى كاتبه في الدولة، رغم مرور حوالي سبعة أشهر على تعيين هذا الأخير.
بل إن هشام الصابري لا يتوفر حتى على مقر رسمي لمزاولة مهامه، ما اضطره إلى العمل من داخل المديرية الجهوية للوزارة في الرباط، في وضع يبعث على الاستغراب ويطرح أكثر من سؤال حول جدوى هذا المنصب.
لكن ما يبدو لأول وهلة خلافًا إداريًا بسيطًا، يخفي في جوهره أزمة عميقة تتجاوز الأشخاص والمؤسسات، وتمس في العمق مفهوم “العمل الحكومي المنسجم”، الذي لطالما رفعت الشعارات حوله في الخطابات الرسمية، دون أن تُترجم إلى ممارسة فعلية.
تضارب المصالح داخل نفس اللون السياسي
المفارقة الكبرى في هذه القضية أن الصراع لا يجري بين وزيرين من تيارين مختلفين، بل بين عضوين داخل نفس الحزب، حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما يكشف هشاشة التوافقات الداخلية داخل الأحزاب المشكلة للحكومة، ويضعف منطق الانسجام حتى داخل الفضاء الحزبي الواحد.
غياب التنسيق بين السكوري والصابري يعكس تضاربًا في المصالح، حيث يبدو أن كل طرف يتحرك وفق حساباته الشخصية والحزبية، في غياب تصور مؤسساتي واضح لتقاسم المهام، ما جعل الوزارة تُدار برأسين متنافرين، وأدخلها في حالة شلل تدريجي، خصوصًا في ملفات بالغة الحساسية مثل إصلاح جهاز مفتشي الشغل أو تنزيل التزامات الحوار الاجتماعي.
كتاب الدولة.. مناصب للترضية أم لبناء السياسات؟
القضية تُعيد إلى الواجهة إشكالية كتاب الدولة في المغرب، إذ غالبًا ما يتم تعيينهم في إطار توازنات حزبية أو رسائل سياسية، دون ضمان فعالية حقيقية أو وضوح في توزيع المهام.
وعندما لا يتم تفويض الصلاحيات، يتحول المنصب إلى عبء مؤسساتي، ويصبح صاحبه أشبه بمسؤول دون وظيفة، أو بعبارة أدق: “وزير بلا وزارة”.
وهنا تبرز مسؤولية رئيس الحكومة، ليس فقط كمنسق للعمل الحكومي، بل كضامن لانسجام الجهاز التنفيذي. إذ يُطرح السؤال بحدة: لماذا يُسمح باستمرار هذا الوضع داخل قطاع حيوي؟ وأين هي آليات الحسم في مثل هذه النزاعات داخل الحكومة؟ وهل نعيش أمام حكومة تشتغل بمنطق الفريق، أم أمام تجميع أفراد يشتغل كل منهم وفق أجندته الخاصة؟
الأزمة تكشف اختلالات أعمق
تداعيات هذا الصراع لا تقف عند حدود الوزارة، بل تمتد لتؤثر على علاقة الدولة بالشركاء الاجتماعيين. إذ بدأت النقابات تُستدرج بدورها إلى ساحة الصراع، حيث يسعى كل طرف إلى كسب “شرعية اجتماعية” عبر التقرب من المركزيات النقابية، ما يُفرغ الحوار الاجتماعي من محتواه التفاوضي، ويحوّله إلى أداة في معركة داخلية.
إن استمرار هذا الوضع يكرّس صورة حكومة عاجزة عن حل خلافاتها الداخلية، ويضرب في العمق مبدأ المسؤولية الجماعية. كما يكشف عجز الأحزاب عن إنتاج نخب قادرة على تجاوز منطق التنازع الشخصي لصالح رؤية مؤسساتية موحدة.
من يدفع ثمن الصراع؟
في نهاية المطاف، من يدفع ثمن هذا الصراع ليس الوزير ولا كاتب الدولة، بل المواطن الذي ينتظر سياسات تشغيل ناجعة، والعامل الذي يعوّل على تحسين شروط الشغل، والقطاع الاقتصادي الذي يحتاج إلى وضوح في الرؤية والتنسيق.
ما يحدث اليوم داخل وزارة الشغل ليس حالة معزولة، بل نموذج لخلل أكبر في تصور العمل الحكومي في المغرب، مما يفرض مراجعة شاملة لطريقة تعيين المناصب، وتوزيع المسؤوليات، وآليات الحسم في النزاعات، حتى لا تبقى الحكومة رهينة “تضارب المصالح” في ثوب حزبي.
تعليقات الزوار