شركة الخدمات تُجفّف آسفي: تخزين غائب وسد سيدي عبد الرحمان مغضوب عليه

هبة زووم – طه المنفلوطي
بين جحيم موجة حرّ خانقة وزحف غبار صيفي لا يرحم، تعيش مدينة آسفي واحدة من أسوأ لحظاتها منذ سنوات.
تسعة أيام من الانقطاع التام للماء الصالح للشرب، في عشرات الأحياء، دون إشعار، دون تفسير، دون حتى اعتذار رمزي، وكأن الساكنة مجرد رقم في تقارير بيروقراطية جامدة، لا تستحق حتى حق المعرفة.
في قلب هذه الأزمة، تقف الشركة الجهوية متعددة الخدمات – مراكش آسفي في مرمى النيران الشعبية، وسط اتهامات بتدبير “فوقي” وقرارات لا تمت للواقع المحلي بصلة.
لتتحوّل الشركة المتعددة الخدمات التي بُشّر بها المواطنون على أنها حلّ عصري وفعال، إلى عنوان جديد للفشل المركزي المعمّم.
“شركات جهوية” أم آليات جديدة للتهميش؟
منذ أن سُحبت سلطة تدبير الماء من آسفي ونُقلت إلى مراكش، بات واضحًا أن هذه الهندسة الإدارية الجديدة لم تأخذ في الاعتبار حاجيات المدينة وتاريخها ومناخها وظروفها.
فيسبوك تحوّل إلى منصة للاحتجاج الشعبي، حيث عبّر مواطنون، وناشطون، ومهنيون عن غضبهم مما وصفوه بـ”تغوّل المركز” و”الإذلال المائي” لساكنة آسفي.
أحد المعلقين لخص المشهد بالقول: “نحن أمام منظومة تدبير تتعامل مع الماء كسلعة لا كحقّ إنساني، ومع آسفي كهامش لا كمدينة تاريخية”.
خزان ليوم ونصف: هل هذه استراتيجية أم سخرية؟
المثير للدهشة أن مسؤولي الشركة الجهوية يبشّرون بأن “الحل قادم”، من خلال بناء خزان جديد، لن يكفي حسب المعطيات الرسمية، إلا ليوم ونصف فقط من استهلاك المدينة!
مصدر مطّلع اعتبر هذا “ضحكًا على الذقون”، متسائلًا: “هل يُعقل أن يُبنى مشروع استراتيجي على خزان لا يصمد حتى 48 ساعة؟”
الساكنة لا تطلب المعجزات، بل حلولًا عقلانية طويلة الأمد، تنطلق من خصوصية آسفي، لا من مكاتب مكيفة في مراكش.
أين يذهب فائض الماء؟ لغز الـ15 ألف متر مكعب المهدورة
الحقائق الصادمة لا تتوقف هنا، فبحسب المعطيات نفسها، فإن المكتب الشريف للفوسفاط ينتج يوميًا 45 ألف متر مكعب من الماء الشروب لفائدة آسفي، فيما حاجيات المدينة لا تتعدى 30 ألف متر.. أين يذهب الفائض؟ ولماذا لا يُستثمر؟
الجواب محبط: غياب منشآت التخزين.. لا خزانات، لا رؤية، ولا حتى إرادة في بناء منظومة تدبير مائي عقلانية، تكرار مملّ لعبث مزمن، تعاقبت عليه إدارات دون أن تجرؤ على كسر الدائرة.
سد سيدي عبد الرحمان: الحل الذي ترفضه الحسابات الضيقة
وسط هذا السواد، يبرز حل كان ولا يزال قابلاً للتطبيق: سد سيدي عبد الرحمان، الذي تبلغ حقينته مستوى يتيح تلبية حاجيات المدينة لأزيد من شهر ونصف، سدّ كان يمكن أن يشكل خزانًا طبيعيًا، ووسيلة تنقية منخفضة التكلفة، ودرعًا واقيًا ضد العطش.
لكن، كما يؤكد مصدرنا العليم، فإن منطق الصفقات والمصالح المالية الضيقة جعل هذا الخيار يُقصى عمدًا، من شركة “راديس” إلى “الشركة متعددة الخدمات”، لا شيء تغيّر سوى اليافطات، أما عقلية الربح على حساب المصلحة العامة، فهي باقية وتتمدد.
فهل من تدخل حاسم من وزارة الداخلية؟
في ظل هذا الانهيار، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ستتدخل وزارة الداخلية لتصحيح المسار؟ وهل ستفتح تحقيقًا في اختيارات التسيير، وإمكانيات التوظيف الفوري لسد سيدي عبد الرحمان كخزان استراتيجي؟ أم أن الأمور ستبقى معلقة في دهاليز البيروقراطية الباردة؟
الأكيد أن الساكنة ما عادت تحتمل هذا الصمت، ولا تستسيغ وعودًا مشروطة بـ”الأشهر القادمة”، بينما العطش يطرق أبواب البيوت.
فمدينة آسفي لا تطلب معجزة، بل عدالة مائية، ورؤية بعيدة عن منطق التسويف، واعترافًا بأن الماء ليس ترفًا بل حياة، والمطلوب اليوم، قبل الغد، أن تنتهي هذه الحلقة العبثية من التسيير، وأن يُعاد للمدينة حقها في قرارات تُتخذ من داخلها، لا من فوقها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد