شبهات الزبونية والمحسوبية تُلاحق مباريات إدماج دكاترة التربية الوطنية: كفاءات مقصية ومسؤولون مترشحون بشهادات مثيرة للجدل
هبة زووم – الرباط
في وقت ينتظر فيه دكاترة قطاع التربية الوطنية حلاً منصفًا طال انتظاره لسنوات، تفجّرت من جديد موجة من الغضب والاتهامات بعد الإعلان عن لوائح المترشحين لمباريات إدماج هذه الفئة في إطار “أستاذ باحث”، حيث طفت على السطح معطيات صادمة تتعلق بإقصاء عدد كبير من الكفاءات مقابل تمكين مقربين من مواقع القرار من الترشح، رغم شكوك تحوم حول قانونية شواهدهم العلمية وتخصصاتهم.
فبعد الاتفاق الموقع مع وزارة التربية الوطنية في يناير 2022 و2023، والذي نصّ على إدماج دكاترة التعليم المدرسي في إطار “أستاذ باحث” ضمن مسار مشابه لزملائهم في قطاع التعليم العالي، تفاءلت هذه الفئة خيرا بتحقيق عدالة مهنية طال انتظارها. غير أن ما أعقب ذلك من تأجيل في الإعلان عن المباريات، وحرمان الدكاترة من تراخيص الترشح لمباريات الجامعات، ثم انتقاء أسماء مثيرة للجدل في اللوائح الرسمية، أعاد الملف إلى مربع الاحتقان والتصعيد.
وتقول التنسيقية الوطنية لدكاترة القطاع إن “المناصب المطروحة شُرّعت على المقاس”، متهمةً بعض المسؤولين بتوظيف نفوذهم للترشح رغم عدم توفرهم على شروط الانتقاء الأكاديمي، في وقت تم فيه إقصاء كفاءات راكمت أكثر من 15 سنة من البحث والممارسة التربوية.
الأخطر، بحسب مصادر من داخل القطاع، أن من بين المترشحين مسؤولين إداريين تحوم حولهم شبهات، ومنهم من هو متابع قضائيًا في ملفات تبديد المال العام، كما أن البعض لم يُكمل حتى الشروط الأساسية لنيل الدكتوراه، كعدد ساعات التكوين والمقالات المنشورة في مجلات مفهرسة.
أحد هذه الحالات – كما ورد في شهادات دكاترة – يتعلق بمسؤول بأكاديمية جهوية للتربية والتكوين حصل على شهادة الدكتوراه في وقت قياسي من جامعة ابن طفيل، وهي الجامعة التي أثارت تقارير إعلامية بشأنها علامات استفهام تتعلق بجودة الإنتاج العلمي ونزاهة مساطرها الأكاديمية.
ويضيف المصدر أن المعني ترشح فور حصوله على الدكتوراه، رغم أن المدة القانونية للبحث والتأهيل لم تُستوف بعد، مما يطرح تساؤلات حول احترام المعايير والتخصصات المطلوبة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الترقيات والمكافآت داخل بعض الأكاديميات الجهوية أصبحت أداة للترضية السياسية والنقابية، حيث يترقى بعض الموظفين المقربين من المسؤولين فور مشاركتهم كشهود في شكايات ضد مناضلين نقابيين، بينما يُقصى آخرون لاعتبارات تتعلق بالمواقف أو النَّزاهة.
أما من حيث تدبير المنظومة، فتُتهم بعض الأكاديميات بالتراجع المهول في المؤشرات التربوية والمالية، ما يطرح علامات استفهام حول اعتبار “الخبرة في التسيير” معيارًا للترشح لمناصب أكاديمية. ففي الوقت الذي تنتظر فيه الكفاءات إنصافها، تُفتح أبواب التباري أمام من تُسائلهم تقارير رسمية وتتبعهم شبهات التلاعب بالمال العام وتدبير كارثي للموارد.
وفي مواجهة هذا الوضع، تدعو أصوات داخل التنسيقية الوطنية للدكاترة والهيئات النقابية إلى فتح تحقيق عاجل من طرف الهيئات الرقابية، وعلى رأسها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، لكشف ملابسات هذه الاختلالات، وترتيب المسؤوليات.
كما ترتفع مطالب ملحة من أجل حماية مصداقية الجامعة المغربية من “الزحف القليشي” – كما يُطلق عليه الدكاترة الغاضبون – وهو النموذج الذي يجمع بين السرعة في إنجاز الأطروحات، والولوج السلس إلى مناصب التدريس العالي، تحت غطاء النفوذ الإداري والسياسي، بدلًا من الاستحقاق العلمي.
واستحضارًا لما صرح به الراحل محمد الوفا، وزير التربية الأسبق، حين قال “لا يمكن إصلاح التعليم دون اقتلاع مسامير الميدة”، يبدو أن منظومة التربية والتكوين لا تزال رهينة لنفس النمط من الولاءات، في وقت يدفع فيه الوطن ثمن تراجع الجودة، وضياع طاقات علمية حقيقية، تُقصى فقط لأنها اختارت الدفاع عن كرامتها وكفاءتها في زمن الولاءات.