هبة زووم – الرباط
لم يعد ما يجري داخل بعض الملاعب المغربية مجرد اختلالات تنظيمية عابرة، بل تحوّل إلى مشهد مقلق يعكس تضييقاً متزايداً على العمل الصحفي، في سياق يُفترض أنه يحتضن حرية التعبير لا أن يخنقها.
ففي الرباط والدار البيضاء، تتكرر وقائع المنع والتضييق، في مشهد بات يُوصف داخل الأوساط الإعلامية بـ”صحافة إيش إش”، حيث لا يُواجه الرأي بالحجة، بل بالإقصاء والتهميش.
المفارقة أن هذه الممارسات لا تستهدف تصحيح اختلالات حقيقية داخل المنظومة الرياضية، بل تُوجَّه أساساً نحو الأصوات التي تجرؤ على كشفها.
فبدل فتح نقاش مهني حول أعطاب التسيير أو تنظيم الولوج إلى الملاعب، يتم اللجوء إلى أساليب “التشيطين”، التي تحوّل الصحافي من ناقل للواقع إلى خصم يجب تحييده.
في هذا السياق، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل نحن أمام محاولة لتنظيم العمل الإعلامي داخل الفضاءات الرياضية، أم أمام إرادة لفرض رقابة غير معلنة؟
الجواب، كما يرى متتبعون، يكمن في طبيعة السلوك ذاته، فحين يُمنع صحافي من أداء مهامه دون مبرر واضح، وحين تتحول قرارات الولوج إلى أدوات انتقائية، فإن الأمر يتجاوز التنظيم إلى التحكم.
ما وقع يوم الخميس في المباراة الأخيرة بين الجيش الملكي والرجاء الرياضي يعكس هذه الإشكالية بوضوح، حيث برزت شكاوى من تغوّل بعض الجهات في تدبير الولوج إلى المركبات الرياضية، إلى درجة أن سلطة القرار أصبحت، في نظر كثيرين، خارج الأطر القانونية والمؤسساتية المفترضة.
الأخطر في هذا المسار أنه لا يمس فقط بحقوق الصحافيين، بل يضرب في العمق أحد أعمدة دولة القانون: حرية الصحافة، فالفصل 28 من الدستور المغربي واضح في هذا الباب، حين يضمن حرية التعبير والنشر، ويجعل من الصحافة شريكاً في الرقابة لا هدفاً لها.
إن تحويل الفضاء الرياضي إلى منطقة “انتقائية” في التعامل مع الإعلام، يفتح الباب أمام منطق خطير: “إما أن تساير أو تُقصى”، وهو منطق لا يضر بالصحافة فقط، بل يضر بصورة الرياضة نفسها، التي يفترض أن تقوم على التنافس النزيه والشفافية.
غير أن أخطر ما يكشفه هذا الواقع، هو ما أفرزته الممارسة الميدانية من سطوة متنامية لحراس الأمن الخاص، الذين باتوا، في حالات عديدة، يتدخلون في تفاصيل لا تدخل ضمن اختصاصاتهم، من منح أو منع الولوج، إلى تحديد من يحق له التغطية ومن يُقصى، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهة التي تملك القرار الحقيقي داخل هذه الفضاءات.
ففي مركب محمد الخامس، على سبيل المثال، أصبح الإحساس العام أن سلطة هؤلاء الحراس تجاوزت أدوارها التنظيمية، لتلامس مجالات يفترض أن تبقى من اختصاص الجهات المسؤولة عن التسيير والتأطير الإعلامي، وهو ما يكرّس حالة من الفوضى المقنّعة ويغذي الشعور بغياب الضوابط الواضحة.
ما يجري اليوم ليس مجرد تضييق ظرفي، بل مؤشر على خلل أعمق في العلاقة بين بعض الفاعلين في المجال الرياضي والإعلام، فمحاصرة الصحافة لن تُخفي الاختلالات، بل ستُراكمها.
والرهان الحقيقي ليس في إسكات الأصوات، بل في القدرة على تقبّلها، لأن الصحافة الحرة ليست خصماً، بل شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي، وصحافة “إش إش” لن تكون حلا بل ستكون كارثة على كل المشهد الكروي بالمغرب، خصوصا وأننا مقبلون على ملتقيات عالمية تتطلب كفاءة ومهنية عالية؟؟؟
تعليقات الزوار