الأصالة والمعاصرة وخطاب الهروب الكبير من المسؤولية أو حين يختار الحزب بيع القرد والضحك على من اشتراه
هبة زووم – محمد خطاري
لم يعد من السهل على أي متتبع للشأن السياسي أن يبتلع الخطاب الذي بات حزب الأصالة والمعاصرة يسوّقه كلما انفجرت أزمة أو ظهرت كلفة تدبيرية ثقيلة.
فالحزب الذي يوجد في صلب التحالف الحكومي، ويشارك فعليًا في اتخاذ القرار العمومي، اختار مرة أخرى لعب دور المتفرج الغاضب بدل تحمّل مسؤولية الفاعل التنفيذي، في مشهد سياسي لا يخلو من قدر كبير من العبث والاستخفاف بوعي المواطنين.
في واقعة القصر الكبير، لم تكن الفيضانات مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل تحولت إلى اختبار سياسي حقيقي، اختبار فشل فيه خطاب الحزب حين خرجت قيادته تطالب “الحكومة” باتخاذ إجراءات عاجلة وتعويض المتضررين، وكأنها لا تنتمي إلى هذه الحكومة، ولا تتحمل أي جزء من مسؤولية التخطيط، أو الوقاية، أو تدبير المخاطر.
هنا تتجلى بوضوح معالم الهروب الكبير من المسؤولية، فالأصالة والمعاصرة يريد أن يكون في موقعين متناقضين في الآن نفسه: شريك في السلطة حين يتعلق الأمر بالمناصب والنفوذ، ومعارض غاضب حين تظهر الكلفة السياسية للفشل.
هذا النوع من الخطاب لا يمكن اعتباره اجتهادًا سياسياً بقدر ما هو بيع صريح للوهم، وهم أن الحزب يمكنه أن ينفض يديه من نتائج السياسات التي شارك في صياغتها، وأن يخاطب الدولة بلغة المطالب بدل لغة المحاسبة الذاتية، إنها معادلة تقوم على “بيع القرد” للناخب، ثم الضحك عليه حين يكتشف أن البائع هو نفسه جزء من السوق.
الأدهى من ذلك هو محاولة تلطيف الكارثة بخطاب “أمطار الخير”، وكأن غرق الأحياء، وتشريد الأسر، وتعطّل مصادر العيش، يمكن مسحه بجملة إنشائية أو قراءة تفاؤلية مبتورة، فبين منسوب السدود وارتفاع منسوب معاناة المواطنين، سقطت كل الادعاءات حول الجاهزية والاستباق.
وحين يُستدعى التدخل الملكي والقوات المسلحة الملكية لإنقاذ الوضع، فإن ذلك لا يشكل شهادة نجاح للأحزاب الحكومية، بل إدانة سياسية صريحة لها، لأن الدولة العميقة تتدخل حين تفشل الدولة التدبيرية، وحين يغيب الفعل السياسي الجاد لصالح الحسابات الانتخابية الضيقة.
إن أخطر ما في خطاب الأصالة والمعاصرة اليوم ليس فقط تناقضه، بل تطبيعه مع فكرة الإفلات من المسؤولية، وكأن المشاركة في الحكومة لا تستوجب المحاسبة، وكأن السياسة مجرد مسرح أدوار يمكن تغيير الأقنعة فيه حسب الظرف.
لكن المغاربة، في زمن الأزمات المناخية والاجتماعية المتراكبة، لم يعودوا يبحثون عن خطابات تضامن موسمية، بل عن وضوح:
من يخطط؟ من يستبق؟ ومن يتحمل المسؤولية حين يفشل؟
وإلى أن يجيب الحزب عن هذه الأسئلة بجرأة، سيظل خطابه محكوماً بتهمة واحدة: الهروب إلى الأمام، وبيع الوهم، والضحك على من صدّق.