هبة زووم – القنيطرة
لم تعد الزيادات الأخيرة التي طالت أقساط التأمين عن المسؤولية المدنية للسيارات مجرد مسألة تجارية عابرة، بعدما فجّرت موجة من الاستياء في أوساط المستهلكين، ودَفعت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك إلى رفع صوتها ضد ما اعتبرته زيادات غير مبررة، تتم في غياب توضيحات شفافة ومقنعة للرأي العام.
وفي بلاغ صادر عنها بالقنيطرة، عبّرت الجامعة عن إدانتها واستيائها الشديدين من الارتفاعات التي أقرتها بعض شركات التأمين، معتبرة أن تحميل المواطن تكاليف إضافية دون الكشف بشكل واضح عن الأسس والمعطيات التي تستند إليها هذه الزيادات يطرح أكثر من علامة استفهام حول شفافية سوق التأمين بالمغرب.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بسيط ومباشر: إذا كانت شركات التأمين تبرر الزيادة بعوامل اقتصادية أو تشريعية أو اكتوارية، فلماذا لا تقدم للمؤمن لهم المعطيات الدقيقة التي تفسر حجم الزيادة ومبرراتها؟
المسؤولية المدنية للسيارات ليست خدمة ترفيهية يمكن للمواطن الاستغناء عنها، وإنما تأمين إجباري يفرضه القانون على مالكي المركبات، وبالتالي، فإن أي زيادة في أقساطه تمس بشكل مباشر ملايين المواطنين، وتنعكس على تكاليف امتلاك واستعمال السيارات، في وقت تواجه فيه الأسر أصلاً ضغوطاً متزايدة على قدرتها الشرائية.
ومن هنا، فإن منطق “ادفع أولاً واسأل لاحقاً” لا يمكن أن يكون قاعدة مقبولة في قطاع يرتبط بتأمين إجباري وبمصلحة ملايين المؤمن لهم، فالشفافية ليست فضلاً تقدمه شركات التأمين، وإنما شرط أساسي لبناء الثقة بين المؤسسة والمستهلك.
وفي هذا السياق، ذكرت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك بأن أسعار التأمين الإجباري تخضع لإطار تنظيمي خاص، وأن مراجعة التعريفات يفترض أن تتم وفق المساطر والضوابط القانونية الجاري بها العمل.
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الجهات الحكومية والهيئات المختصة في المراقبة، فإذا كانت الزيادات قانونية، فالمطلوب توضيح الأساس التنظيمي الذي يسمح بها، والكشف عن المعطيات التي تبررها، أما إذا كانت هناك اختلالات أو تجاوزات في المساطر، فإن الصمت عنها لا يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك لدى المستهلك.
هذا، وأثارت الجامعة أيضاً نقطة تستحق النقاش، تتعلق بالتوسع المستمر في حضيرة السيارات بالمغرب واتساع قاعدة المؤمن لهم، بالتوازي مع نمو حجم معاملات شركات التأمين.
وهنا يظهر سؤال اقتصادي مشروع: إذا كان عدد المؤمن لهم يرتفع، وحجم السوق يتوسع، فلماذا يتحمل المواطن وحده كلفة أي مخاطر أو تحولات محتملة؟
لا يمكن بالطبع اختزال تسعير التأمين في عدد المؤمن لهم فقط، إذ توجد عوامل مرتبطة بتكلفة التعويضات والحوادث والمخاطر والتشريعات وغيرها، لكن ذلك لا يعفي شركات التأمين من تقديم تفسير واضح ومقنع للرأي العام حول كيفية احتساب الزيادة، ولماذا اختير هذا المستوى تحديداً.
الأكثر إثارة في موقف الجامعة يتعلق بشكوكها بشأن احتمال أن تكون بعض الشركات قد لجأت إلى الزيادة استباقاً للآثار المحتملة لتطبيق تشريعات معدلة مرتبطة بتعويض ضحايا حوادث السير، وإذا كان هذا هو المبرر الفعلي، فإن السؤال يصبح أكثر حدة: هل يجوز تحميل المواطن اليوم تكلفة أضرار أو التزامات مالية محتملة لم تظهر نتائجها الفعلية بعد؟
فالاعتماد على دراسات تنبؤية لتوقع ارتفاع التعويضات قد يكون جزءاً من أدوات تدبير المخاطر بالنسبة لشركات التأمين، لكن تحويل تلك التوقعات مباشرة إلى فاتورة إضافية يتحملها المواطن يحتاج إلى تبرير دقيق وشفاف، وإلا أصبح المؤمن له يدفع ثمن “توقع” قبل أن يتحول إلى واقع.
بلاغ الجامعة لا يضع شركات التأمين وحدها تحت المجهر، بل يفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بدور السلطات المختصة، فالمطلوب اليوم ليس فقط مطالبة المواطن بأداء القسط الجديد، وإنما مراقبة الطريقة التي تم بها تحديده، هل احترمت الشركات المساطر القانونية؟ هل الزيادات موحدة أم تختلف من شركة إلى أخرى؟ ما هي المعايير المعتمدة؟ وما طبيعة الدراسات التي تستند إليها الشركات؟ وماذا عن التأمين التعاضدي الذي تقول الجامعة إن الغموض ما يزال يلف تكلفته ووضعية تسعيره؟ هذه أسئلة لا ينبغي أن تبقى حبيسة مكاتب الشركات، لأنها ترتبط مباشرة بمصالح المستهلكين.
والمطلوب اليوم ليس شيطنة شركات التأمين ولا إنكار حقها في تدبير مخاطرها والحفاظ على توازنها المالي، وإنما ضمان معادلة واضحة: شركة تأمين قوية ومستدامة، مقابل مستهلك يعرف لماذا يدفع وماذا يحصل في المقابل، أما أن ترتفع الأقساط دون تفسير واضح، فإن ذلك يضعف الثقة في القطاع ويفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات.
ولهذا تبدو دعوة الجامعة المغربية لحقوق المستهلك إلى تدخل السلطات المختصة وإجراء تحقق دقيق في مدى احترام المساطر التنظيمية دعوة مشروعة، خصوصاً أن الأمر يتعلق بتأمين إجباري وليس بمنتج اختياري.
وفي نهاية المطاف، فإن المواطن لا يطلب المستحيل، إنه يريد فقط أن يعرف لماذا ارتفعت فاتورته، ومن قرر الزيادة، وعلى أي أساس، وهل احترمت القواعد القانونية أم لا؟ أما ترك المستهلك أمام زيادات مفروضة وتبريرات غامضة، فمعناه ببساطة أن سوقاً يفترض أن يقوم على الثقة والشفافية قد بدأ يفقد أهم عناصره.
والكرة الآن في ملعب الجهات الرقابية: إما أن تشرح للمغاربة حقيقة هذه الزيادات وتتحقق من قانونيتها، وإما أن تترك الشكوك تتسع، والمواطن يؤدي الفاتورة دون أن يعرف لمن ولماذا.
تعليقات الزوار