الجوهري في قلب العاصفة.. انهيار طريق تيغمي–أنزي بتزنيت يفتح ملف المسؤولية والمحاسبة

هبة زووم – علال الصحراوي
لم يعد انهيار جزء من الطريق الرابطة بين تيغمي وأنزي مجرد عطب طرقي عابر يمكن التعامل معه بمنطق الترقيع المؤقت، بعدما كشفت الأضرار المسجلة عن فجوة وانهيار في جزء من المقطع، وتضرر طبقات من الخرسانة وظهور التربة والحجارة، فضلاً عن أضرار طالت منشأة محاذية للطريق، في مشهد يضع تدبير البنية التحتية بإقليم تزنيت أمام أسئلة ثقيلة حول المراقبة والتتبع وجودة الأشغال.
وفي قلب هذه الأسئلة يبرز اسم عامل الإقليم عبد الرحمان الجوهري، باعتباره المسؤول الترابي الأول عن التنسيق وتتبع الملفات ذات الصلة بالتنمية والسلامة والمرافق العمومية على مستوى الإقليم.
والمسألة هنا لا تتعلق بالقول إن العامل هو من أنجز الطريق أو أشرف تقنياً على وضع طبقات الخرسانة، وإنما تتعلق بسؤال أكثر جوهرية: ماذا فعلت الإدارة الترابية عندما ظهرت مؤشرات الخلل؟ ومن كان يتابع سلامة هذا المحور قبل أن يتحول الخلل إلى انهيار؟
فالمسؤولية الإدارية لا تبدأ فقط لحظة وقوع الكارثة، بل تبدأ قبلها، من خلال التتبع واليقظة والتنسيق بين مختلف المصالح والمتدخلين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بطريق يستعملها المواطنون والسائقون بشكل يومي، وأي خلل فيها قد يتحول إلى خطر مباشر على الأرواح والممتلكات.
والأخطر أن صور المقطع المتضرر تطرح أسئلة لا يمكن إسكاتها بمجرد إعادة فتح الطريق أو وضع علامات تحذيرية، فهل يتعلق الأمر بانجراف أو عوامل طبيعية؟ هل كانت المنشأة قادرة على تحمل الضغط والعوامل المناخية؟ هل أنجزت الأشغال وفق المعايير التقنية المطلوبة؟ هل جرى احترام شروط المراقبة والاستلام؟ وهل كانت عمليات الصيانة والتتبع في المستوى المطلوب؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالبيانات الإنشائية أو التبريرات الجاهزة، وإنما تحتاج إلى خبرة تقنية مستقلة تحدد بدقة أسباب الانهيار، والمسؤوليات المرتبطة به، وطبيعة الأشغال المنجزة، ومدى مطابقتها للمعايير المعتمدة.
لكن في المقابل، لا يمكن أن تختبئ المسؤولية الإدارية خلف عبارة “الخبرة ستحدد الأسباب” إلى ما لا نهاية، فإذا كانت هناك اختلالات في الإنجاز أو ضعف في المراقبة أو تأخر في التدخل، فمن حق الرأي العام أن يعرف من كان مكلفاً بالتتبع، ومن وقع محاضر الاستلام، ومن راقب الأشغال، ومن تابع وضعية الطريق بعد إنجازها.
والعامل الجوهري، بحكم موقعه، مطالب اليوم قبل غيره بتقديم أجوبة واضحة حول ما جرى، ليس باعتباره مقاولاً أو مهندساً، وإنما باعتباره المسؤول الترابي الذي يفترض أن تكون الإدارة التي يشرف عليها في حالة يقظة مستمرة تجاه الملفات التي تمس سلامة المواطنين.
فإذا أثبتت الخبرة أن الانهيار ناتج عن عوامل طبيعية محضة، فسيكون من الضروري إعلان ذلك للرأي العام ووضع حد للتأويلات. أما إذا كشفت الخبرة عن عيوب في الأشغال أو تقصير في المراقبة أو ضعف في الصيانة، فإن الأمر سيتجاوز حدود “حادث طرقي” إلى ملف مسؤوليات ينبغي أن يخضع للمساءلة وفق القواعد القانونية والإدارية المعمول بها.
والأهم الآن هو ألا تتحول القضية إلى مجرد إصلاح إسمنتي سريع يخفي آثار المشكلة بدل معالجة جذورها، المطلوب هو تأمين المقطع فوراً، ووضع التشوير والتحذيرات الضرورية، وإنجاز خبرة تقنية دقيقة، ثم نشر نتائجها للرأي العام، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة من مراحل المشروع.
فالمواطن الذي يمر عبر هذه الطريق لا يهمه كثيراً من هو صاحب الصفقة أو اسم المقاولة أو الجهة التي وقعت الوثائق؛ ما يهمه أن يجد طريقاً آمناً، وأن يعرف أن المال العام الذي أنفق عليها لم يتحول إلى منشأة تنهار بعد مدة قصيرة.
وهنا تحديداً تفرض مسؤولية العامل الجوهري نفسها: ليس المطلوب منه أن يكون مهندساً للطريق، وإنما أن يضمن أن منظومة الإدارة والتتبع والمراقبة تعمل كما ينبغي.
إن انهيار الطريق قد يكون له سبب تقني محدد، لكن استمرار الصمت أو الاكتفاء بالترميم دون كشف الأسباب سيكون، في حد ذاته، مشكلة أكبر، لذلك فإن الكرة اليوم في ملعب الإدارة الترابية بتيزنيت: إما خبرة شفافة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات، أو يبقى انهيار طريق تيغمي–أنزي عنواناً جديداً لأسئلة الحكامة والتتبع والمحاسبة بإقليم تزنيت.
بل أيضاً: من سيتحقق من سبب انهيارها؟ وإذا تبين أن هناك خللاً في الإنجاز، فمن سيتحمل كلفة إصلاح خلل كان يفترض ألا يحدث أصلاً؟ وهل ستتم إعادة الأشغال على أساس معالجة السبب أم سيجري الاكتفاء بإخفاء الأثر؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل من حادث الطريق ملف حكامة، وليس مجرد عطب تقني.
الصور المتداولة لا تحتاج إلى تعليق طويل. الضرر ظاهر، والخطر المحتمل يستحق التعامل معه بجدية، لذلك فإن وزارة التجهيز والماء ومصالحها الإقليمية والسلطات الترابية مدعوة إلى التعامل مع الوضع بمنطق الوقاية قبل وقوع الكارثة.
تأمين المقطع أولاً، ثم الخبرة، ثم الإصلاح وفق المعايير التقنية، ثم نشر نتائج المعاينة للرأي العام المحلي إذا لم تكن هناك موانع قانونية، فالساكنة لا تحتاج إلى وعود عامة، وإنما تحتاج إلى طريق آمنة.
أما إذا كشفت الخبرة لاحقاً عن اختلالات في الإنجاز أو المراقبة، فحينها يجب أن تتبع المسؤولية طريقها الطبيعي، بعيداً عن الحسابات السياسية والشخصنة.
فطريق تيغمي–أنزي انهار في جزء منه، لكن المطلوب ألا تنهار معه قاعدة أساسية في تدبير المرفق العمومي: الوقاية، والمراقبة، والمحاسبة عند ثبوت المسؤولية.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس من سيضع الإسفلت فوق الانهيار، وإنما: لماذا انهار الطريق أصلاً، ومن كان يفترض أن يمنع وصوله إلى هذه الحالة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد