هبة زووم – أحمد الفيلالي
في الوقت الذي تقترب فيه الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، بدأت بعض المشاهد التي تجمع بين المسؤولين الترابيين وفاعلين سياسيين تثير نقاشاً متزايداً حول حدود الحضور الإداري في الفضاء الانتخابي، وحول ضرورة الحفاظ على المسافة نفسها من جميع المتنافسين.
وفي عمالة مقاطعة الحي الحسني بالدار البيضاء، يبرز اسم البرلماني والفاعل السياسي المعروف بـ”الشنقيطي”، بعدما رافقت ظهوره في عدد من المناسبات تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة التي تجمعه بالسلطة الترابية، خصوصاً في ظل اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية.
المسألة هنا لا تتعلق بمجرد حضور مسؤول ترابي في مناسبة إلى جانب فاعل سياسي، إذ قد يكون ذلك في سياق إداري أو اجتماعي عادي، وإنما بما يمكن أن ينتج عن مثل هذه المشاهد من انطباعات لدى الرأي العام المحلي، خاصة عندما يكون الشخص المعني مرشحاً أو فاعلاً سياسياً يستعد لخوض منافسة انتخابية.
فالوالي أو العامل، بحكم موقعه الدستوري والإداري، لا يُنظر إليه كمجرد مسؤول عادي، وإنما باعتباره ممثلاً للسلطة المركزية على المستوى الترابي. ولذلك فإن أي ظهور له إلى جانب أحد المتنافسين السياسيين، مهما كانت المناسبة، قد يصبح قابلاً لتأويلات تتجاوز نية الحضور نفسها.
ومن هنا يطرح متابعون للشأن المحلي في الحي الحسني سؤالاً مشروعاً: هل تحرص السلطة الترابية على الفصل الواضح بين التدبير الإداري والمشهد الانتخابي، بما يضمن الوقوف على المسافة نفسها من مختلف الفاعلين؟
حين يصبح الحضور الإداري رسالة سياسية
في المواسم الانتخابية، لا يقرأ المواطن المشاهد بالطريقة نفسها التي يقرأها في الفترات العادية. فصورة مسؤول ترابي إلى جانب فاعل سياسي، أو حضورهما المشترك في مناسبة، قد تتحول في المخيال الانتخابي إلى رسالة دعم، حتى في غياب أي تصريح رسمي أو موقف معلن.
وهنا تكمن حساسية موقع السلطة الترابية: ليس المطلوب فقط أن تكون محايدة، وإنما أن تظهر كذلك أمام المواطنين.
وإذا كان الوالي محمد امهيدية يحرص، بحسب ما يظهر من تدبيره للمشهد الترابي، على تفادي الالتباس بين الإدارة والمنافسة السياسية، فإن ذلك يفتح النقاش حول مدى التزام مختلف مستويات السلطة الترابية بالمبدأ نفسه، خصوصاً في المناطق التي تعرف تنافساً انتخابياً قوياً.
وفي هذا السياق، تبرز عمالة مقاطعة الحي الحسني باعتبارها مجالاً سياسياً واجتماعياً شديد الحساسية، تتقاطع فيه الحسابات الانتخابية مع شبكة واسعة من العلاقات المحلية، الأمر الذي يجعل أي إشارة صادرة عن الإدارة قابلة للرصد والتأويل.
الشنقيطي.. من الحضور السياسي إلى سؤال النفوذ
لا يبدو أن الجدل المرتبط بالشنقيطي منفصل عن السياق الانتخابي الذي تعرفه المنطقة. فكلما اقترب موعد الاقتراع، أصبحت طبيعة علاقات الفاعلين السياسيين بمختلف مكونات الإدارة محل اهتمام أكبر من طرف المواطنين والخصوم والمتابعين.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان الشنقيطي يحظى بدعم رسمي، فذلك يحتاج إلى وقائع ومعطيات دقيقة، وإنما: هل تترك بعض المظاهر والانطباعات لدى الرأي العام شعوراً بوجود تفاوت في المسافة التي تقف عليها الإدارة من المتنافسين؟
وهو سؤال لا يمكن حسمه بالانطباعات وحدها، بل يحتاج إلى وقائع واضحة، ومقارنة في طريقة تعامل الإدارة مع مختلف الفاعلين السياسيين، ومعرفة ما إذا كانت هناك ممارسات أو قرارات أو تدخلات يمكن أن تؤكد أو تنفي هذه الانطباعات.
حياد الإدارة.. ليس شعاراً انتخابياً
في الأنظمة الديمقراطية، يشكل حياد الإدارة أحد الشروط الأساسية لنزاهة الانتخابات. فالإدارة الترابية مطالبة بتوفير الظروف نفسها أمام مختلف المتنافسين، بعيداً عن أي اصطفاف أو تمييز أو استغلال للنفوذ الإداري.
ولهذا فإن الحديث عن الحياد لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعار يُرفع خلال الانتخابات، بل إلى ممارسة يومية يمكن للمواطن أن يلمسها في الواقع.
وفي الحالة التي تثير الجدل داخل الحي الحسني، فإن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات غير مثبتة، وإنما طرح الأسئلة التي يطرحها الشارع المحلي نفسه: هل الإدارة على المسافة نفسها من الجميع؟ هل يستفيد جميع الفاعلين السياسيين من المعاملة نفسها؟ وهل يمكن للمواطن أن يطمئن إلى أن موقع السلطة الترابية لا يُستخدم، ولو بشكل غير مباشر، لترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك؟
من “هندسة الولاء” إلى ضرورة التوضيح
لقد ظهرت في الخطاب المحلي عبارات من قبيل “هندسة الولاء” لوصف ما يعتبره بعض المتابعين تقارباً بين بعض المسؤولين الترابيين وفاعلين سياسيين بعينهم، غير أن استعمال هذا التعبير باعتباره حقيقة ثابتة يحتاج إلى أدلة ومعطيات موثقة، وليس فقط إلى قراءة سياسية للمشهد.
ومع ذلك، فإن مجرد انتشار هذا النوع من الانطباعات يكفي لطرح سؤال أكبر حول الحكامة الترابية وحدود العلاقة بين الإدارة والفاعلين السياسيين.
فالسلطة الترابية لا تحتاج فقط إلى نفي الانحياز عندما يثار الجدل، وإنما تحتاج إلى بناء ممارسة تجعل الاتهام نفسه صعب التصديق، عبر الوضوح والشفافية والمساواة في التعامل مع مختلف الفاعلين.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية، فالناخب لا يريد فقط انتخابات قانونية من الناحية الإجرائية، وإنما يريد أن يشعر بأن المنافسة تجري في أرضية واحدة، وأن الإدارة تقف على المسافة نفسها من الجميع.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينتظر جواباً عملياً في الحي الحسني ليس: من يدعم من؟ وإنما: هل تستطيع السلطة الترابية أن تقنع المواطن بأنها لا تدعم أحداً؟
لأن حياد الإدارة لا يُقاس بما تقوله في البيانات والتصريحات، بل بما يراه المواطن في الشارع، وفي المناسبات، وفي طريقة التعامل مع جميع المتنافسين.
تعليقات الزوار