هبة زووم – شيشاوة
في مشهد سياسي لا يخلو من المفارقة، وجد المتابعون أنفسهم أمام سؤال مشروع بعد التصريحات التي أطلقها البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، هشام المهاجري، خلال اللقاء الأخير الذي نظمه حزبه بمدينة تيزنيت، والتي وجه فيها انتقادات للأوضاع الاقتصادية والتنموية والسياسية بالمدينة.
فالانتقاد حق سياسي مشروع، بل هو من صميم العمل السياسي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول صاحب الانتقاد إلى ناهٍ وآمر في شؤون مدينة لا يمثلها انتخابياً، بينما يترك وراءه إقليماً يمثله تحت قبة البرلمان، ما تزال ساكنته تطرح بدورها أسئلة ثقيلة حول التنمية والبنيات الأساسية والخدمات العمومية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تستحق أن تفتح للنقاش: قبل أن يبحث البرلماني عن أعطاب تيزنيت، أليس من حق سكان شيشاوة أن يسألوه عن حصيلة ترافعه من أجل الإقليم الذي منحوه ثقتهم؟
هشام المهاجري يمثل إقليم شيشاوة، وبالتالي فإن أول امتحان سياسي له ينبغي أن يكون داخل دائرته الانتخابية، فالساكنة هناك لا تحتاج إلى خطب سياسية عن مدن أخرى، بقدر ما تحتاج إلى أجوبة حول وضع الطرق والمسالك المؤدية إلى الدواوير، وحالة المؤسسات الصحية، وجودة الخدمات التعليمية، وفرص الاستثمار والشغل، ومآل الملفات التي حملها المنتخبون إلى الرباط.
وبدل أن ينشغل الرأي العام بسؤال: ماذا قال المهاجري عن تيزنيت؟ يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا قدم المهاجري لشيشاوة؟
فإذا كانت هناك اختلالات في تيزنيت، فالمؤسسات المنتخبة بالمدينة والسلطات المعنية مطالبة بالجواب عنها، لكن برلماني شيشاوة مطالب قبل ذلك بأن يقدم حصيلة واضحة للناخبين الذين يمثلهم.
وهنا يمكن أن تكون المقارنة أكثر فائدة من الخطاب السياسي، فليتم فتح الملفات التي تؤرق سكان شيشاوة: الطرق المؤدية إلى الدواوير، المراكز الصحية، المؤسسات التعليمية، النقل، الماء، الاستثمار، وفرص الشغل، ثم توضع هذه الملفات إلى جانب ما تحقق في تيزنيت، عندها فقط يمكن للرأي العام أن يحكم بعيداً عن المزايدات السياسية.
انتقاد مدينة تيزنيت لا يجعل منها مدينة مثالية، ولا أحد يدعي أن المدينة خالية من المشاكل أو الاختلالات، لكن تقديمها وكأنها نموذج للفشل التنموي يحتاج بدوره إلى أدلة ومؤشرات، وليس إلى الانطباعات السياسية.
فتزنيت تتوفر على رصيد اقتصادي وسياحي وثقافي مهم، وتُعرف تاريخياً بصناعة الفضة، كما أن المدينة والإقليم شهدا خلال السنوات الماضية عدداً من المشاريع والتجهيزات التي ساهمت في تطوير بنياتهما.
وإذا كانت هناك ملفات متعثرة أو اختلالات في التدبير، فلتطرح بالأرقام والمعطيات، وليتم تحديد المسؤوليات عنها، أما أن تتحول منصة حزبية إلى فضاء لإطلاق أحكام عامة على مدينة بأكملها، دون تقديم بدائل أو مؤشرات دقيقة، فذلك لا يرقى إلى مستوى النقاش العمومي الذي ينتظره المواطن.
لكن الجزء الأكثر إثارة في هذه القصة لا يتعلق فقط بانتقاد تيزنيت، فالمهاجري تحدث عن التنمية والترافع، فيما كان إلى جانبه، بحسب المعطيات المتداولة، البرلماني حميد وهبي، وهو بدوره منتخب عن حزب الأصالة والمعاصرة.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل إحراجاً: ماذا فعل نواب شيشاوة داخل المؤسسة التشريعية من أجل الملفات التي يعاني منها الإقليم؟
وحسب المعطيات التي تضمنها هذا النقاش، فإن حصيلة حميد وهبي خلال الولاية البرلمانية تهم 24 سؤالاً كتابياً، دون تسجيل أسئلة شفوية، بينما لم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تشير المعطيات نفسها إلى أن المهاجري لم يوجه بدوره سؤالاً شفوياً منذ سنة 2022، وأن حصيلته خلال خمس سنوات ظلت في حدود ثمانية أسئلة شفوية و26 سؤالاً كتابياً.
هذه الأرقام، إن تأكدت من السجلات الرسمية لمجلس النواب، تستحق أن توضع أمام الرأي العام، لا بهدف تصفية الحسابات السياسية، وإنما لطرح سؤال بسيط حول مفهوم “الترافع البرلماني”.
فالبرلماني ليس مجرد متحدث في اللقاءات الحزبية، ولا مجرد صاحب تصريحات سياسية، وإنما هو منتخب يفترض أن يحول مشاكل دائرته إلى أسئلة ومقترحات ومبادرات داخل المؤسسة التشريعية، وإذا كان الحديث عن التنمية في شيشاوة يستدعي الترافع، فإن السؤال هو: أين هو هذا الترافع؟
المشكلة في المشهد السياسي المغربي أن بعض المنتخبين يبدون في المناسبات الحزبية أكثر حدة مما يظهرون داخل المؤسسات التي انتخبوا إليها.
يرتفع سقف الخطاب، تتعدد الانتقادات، وتُوزع الاتهامات، لكن عندما يبحث المواطن عن الحصيلة الفعلية يجد نفسه أمام أرقام محدودة وأسئلة قليلة ومبادرات لا تكاد تُرى.
وهذا تحديداً ما يجب أن يتغير، فالمواطن اليوم لا يريد برلمانياً يجيد تشخيص مشاكل الآخرين فقط، بل يريد منتخباً قادراً على شرح ما فعل هو شخصياً لحل مشاكل دائرته.
شيشاوة ليست ورقة انتخابية موسمية، كما أن تيزنيت ليست حائطاً قصيراً لتعليق الإخفاقات عليه، ومن حق سكان شيشاوة أن يسألوا ممثليهم: ماذا فعلتم من أجل الطرق؟ ماذا فعلتم من أجل الصحة؟ ماذا فعلتم من أجل التعليم؟ ماذا فعلتم من أجل الاستثمار؟ وما الملفات التي وصلتم بها إلى الوزراء والقطاعات الحكومية؟ وما النتائج التي حصلتم عليها؟
ومن حق سكان تيزنيت بدورهم أن يسألوا منتخبيهم عن الاختلالات التي يعرفها الإقليم، وأن يطالبوا بالمحاسبة حول كل مشروع متعثر أو خدمة لا ترقى إلى مستوى انتظاراتهم، لكن ما لا يستقيم هو أن يتحول السياسي إلى مراقب لمدن الآخرين، بينما تظل دائرته الانتخابية تنتظر حصيلة ترافعه.
المطلوب اليوم ليس الدخول في معركة بين شيشاوة وتيزنيت، ولا الدفاع عن مدينة ضد أخرى، فالمطلوب هو وضع العمل السياسي أمام مرآة الحصيلة.
فإذا كانت تيزنيت تعاني من اختلالات، فلتُكشف بالأرقام والوثائق، وليتحمل المسؤولون عنها مسؤولياتهم، وإذا كانت شيشاوة تعاني من مشاكل، فعلى ممثليها أن يشرحوا للرأي العام ماذا فعلوا لمعالجتها.
أما أن يبقى المواطن أمام خطابات سياسية عالية النبرة، دون أن يرى أثراً واضحاً لها على الأرض، فهنا تصبح المساءلة مشروعة، فالبرلماني الذي يريد أن يلعب دور المفتش في مدن الآخرين، عليه أولاً أن يفتح دفتر حصيلته أمام ناخبيه، وهذا هو جوهر الديمقراطية: لا أحد فوق المساءلة، لا الحكومة ولا المنتخب ولا الحزب ولا البرلماني.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة البرلماني بعدد التصريحات التي يطلقها في المنصات الحزبية، وإنما بعدد الملفات التي حملها، والأسئلة التي طرحها، والقرارات التي ساهم في تغييرها، والمشاريع التي ساعد على إخراجها إلى أرض الواقع.
أما أن تنتقد تيزنيت من فوق منصة حزبية، بينما تظل شيشاوة تنتظر أجوبة عن ملفاتها القديمة، فذلك ليس ترافعاً.. بل مناسبة جديدة لطرح السؤال: أين هي الحصيلة؟
تعليقات الزوار