هبة زووم – محمد الرباطي
لم يكن منتظراً من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وهي تواجه واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل الجامعة المغربية، أن يكون أول رد لها على موجة الانتقادات هو الحديث عن “حملة منظمة” و”توظيف انتخابي”.
فالمواطن والموظف والأجير والباحث لا يحتاجون إلى معركة سياسية جديدة حول من يقف وراء الانتقادات، بقدر ما يحتاجون إلى أجوبة واضحة حول سؤال بسيط: لماذا فُرضت هذه الرسوم؟ وكيف حُددت قيمتها؟ ومن يملك قرار تحديدها؟ وما هي الضمانات الممنوحة للفئات ذات الدخل المحدود؟
فالرد الذي اختارت الوزارة أن تواجه به الجدل يبدو، من زاوية التواصل المؤسساتي، أقرب إلى دفاع سياسي عن القرار منه إلى تواصل مؤسساتي يشرح القرار. عوض أن تتولى الوزارة تفكيك عناصر النقاش وتقديم المعطيات والأرقام والدراسات التي استندت إليها، انتقلت مباشرة إلى التشكيك في طبيعة النقاش نفسه، من خلال وصفه بالحملة المنظمة وربطه بالتوظيف الانتخابي، وهذا المنهج قد يكون مريحاً سياسياً، لكنه لا يقدم جواباً عن الأسئلة التي دفعت آلاف الموظفين والأجراء والباحثين إلى الاعتراض.
المفارقة أن الوزارة تمتلك كل أدوات التواصل التي تسمح لها بإغلاق باب التأويل: يمكنها نشر النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة للتوقيت الميسر، والكشف عن كلفة التكوين الحقيقية، وتقديم معايير احتساب الرسوم، وتوضيح كيفية صرف المداخيل، ونشر معطيات مقارنة حول كلفة هذا النوع من التكوين في الجامعات العمومية.
لكن شيئاً من ذلك لم يكن في صدارة الخطاب الذي اختارته الوزارة في ردها الأخير؛ بل تصدر الاتهام للمحتجين والمنتقدين، وكأن المشكلة الأساسية ليست في الرسوم وإنما في الذين يعترضون عليها.
وهنا يظهر أحد أكبر نواقص المقاربة التواصلية الحالية: الوزارة تتعامل مع أزمة الثقة باعتبارها أزمة خصوم، لا باعتبارها أزمة معلومات. والحال أن التواصل المؤسساتي الناجع لا يطلب من الرأي العام أن يثق في الوزارة لأنها تقول إن القرار قانوني أو لأن رؤساء الجامعات يؤكدون وجاهته، وإنما يقدم له المعطيات التي تمكنه من تكوين موقفه بنفسه.
بل إن تطور الملف نفسه يكشف أن القضية لم تعد مجرد نقاش عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد وصل موضوع رسوم التوقيت الميسر إلى مؤسسة وسيط المملكة، فيما دخل منتدى رؤساء الجامعات على خط النقاش وأصدر توضيحات بشأن واجبات التسجيل.
وهذا وحده كافٍ لطرح سؤال على الوزارة: إذا كانت القضية مجرد «حملة منظمة» كما يوحي ردها، فلماذا انتقلت إلى هذا المستوى من النقاش المؤسساتي؟
الأكثر إثارة للانتباه أن الوزارة، بدل أن تجعل الوزير هو الواجهة الطبيعية لشرح القرار وتحمل مسؤوليته السياسية والتواصلية، سمحت بتعدد الأصوات المدافعة عنه: بلاغ من الوزارة، مواقف لرؤساء الجامعات، وتوضيحات صادرة عن مؤسسات جامعية مختلفة. وهذا التعدد لا يعوض غياب التواصل الوزاري؛ بل قد يزيد الالتباس، لأن الرأي العام يجد نفسه أمام رسائل متعددة بدل خطاب مركزي واضح.
إن وظيفة رئيس الجامعة أو العميد هي تدبير المؤسسة الجامعية وضمان حسن سيرها الأكاديمي والإداري، وليس الدخول في معركة سياسية للدفاع عن وزير أو حزب، ولذلك فإن تحويل المسؤولين الجامعيين إلى خط دفاع أول عن قرار وزاري يطرح سؤالاً حول الحدود الفاصلة بين التواصل المؤسساتي والتعبئة الإدارية. فالوزارة هي التي اتخذت القرار أو أشرفت على تأطيره، وهي التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية شرحه والدفاع عنه أمام الرأي العام.
أما الحديث عن «التوظيف الانتخابي»، فهو في حد ذاته يحتاج إلى أدلة ومعطيات، لا إلى مجرد الإيحاء. فإذا كانت الوزارة تتوفر على معلومات تثبت وجود حملة سياسية منظمة، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة هذه الحملة والجهات التي تقف وراءها والمعطيات التي تستند إليها. أما إطلاق الوصف من دون تقديم عناصر الإثبات، فقد يؤدي إلى نتيجة عكسية: تحويل النقاش من الرسوم إلى محاولة إسكات النقاش حول الرسوم.
والأغرب أن اقتران الملف بالانتخابات المقبلة لا ينبغي أن يكون مفاجئاً لأي فاعل سياسي. فالتعليم، والجامعة، والوظيفة، والقدرة الشرائية، والترقي الاجتماعي، كلها قضايا بطبيعتها قابلة للنقاش الانتخابي.
وإذا كان القرار يمس الموظفين والأجراء الذين يتحملون تكاليف الدراسة من دخولهم الخاصة، فمن الطبيعي أن تدخل القضية في النقاش السياسي. المشكلة ليست في أن يستثمر حزب سياسي قضية اجتماعية انتخابياً؛ المشكلة في أن تعجز الوزارة عن تقديم خطاب مقنع يجعل الاستثمار السياسي أقل تأثيراً.
وهنا تحديداً كان يمكن للوزير أن يربح المعركة التواصلية بسهولة أكبر لو اختار مواجهة الأسئلة بدل مواجهة منتقديه، كان يمكن أن يقول للرأي العام: هذه هي الكلفة الحقيقية للتكوين، وهذه هي الموارد التي تحتاجها الجامعة، وهذه هي أسباب تحديد الرسوم، وهذه هي الفئات المعفاة، وهذه هي آليات حماية ذوي الدخل المحدود، وهذه هي النتائج المنتظرة من الإصلاح. عندها كان النقاش سينتقل من “هل توجد حملة منظمة؟” إلى “هل الحجج التي قدمتها الوزارة مقنعة أم لا؟”.
أما أن يتحول الرد الرسمي إلى حديث عن “حملة” و”توظيف انتخابي”، فإن ذلك يشبه في التواصل السياسي محاولة تغيير موضوع النقاش بدل الإجابة عنه. الوزارة مطالبة بإقناع المواطن، لا بتحديد من يحق له انتقادها.
ثم إن الحديث عن مجانية التعليم يحتاج بدوره إلى قدر كبير من الدقة. فإذا كانت الوزارة تؤكد أن التوقيت الميسر لا يمس مجانية التعليم، فعليها أن تشرح للرأي العام بوضوح الفارق القانوني والمؤسساتي بين التكوين العادي والتكوين بالتوقيت الميسر، ولماذا يؤدي اختيار صيغة دراسية ميسرة لفائدة الموظفين والأجراء إلى رسوم سنوية بهذا الحجم. فالمواطن لا يعيش داخل المصطلحات القانونية؛ إنه يرى ببساطة أن شخصاً يرغب في متابعة دراسته الجامعية خارج التوقيت العادي سيجد نفسه مطالباً بأداء مبالغ مالية قد تكون ثقيلة على دخله.
وقد سبق أن تم تداول تحديد رسوم سنوية للتوقيت الميسر في حدود 5000 درهم بالنسبة إلى الإجازة و18000 درهم بالنسبة إلى الدكتوراه، وهو ما يفسر جانباً من حدة الجدل الحالي.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي أن تقول الوزارة إن الرسوم لا تمس مجانية التعليم؛ بل ينبغي أن تشرح العدالة الاجتماعية للقرار، وهي مسألة مختلفة تماماً عن شرعيته القانونية.
لقد كان بإمكان الوزارة أن تجعل من هذه الأزمة مناسبة لإعادة بناء الثقة مع الجامعة: حوار مفتوح، معطيات منشورة، جلسات استماع، توضيحات للموظفين والأجراء، وآليات واضحة للإعفاء أو التدرج بحسب القدرة على الأداء. لكنها اختارت، في ردها الأخير، لغة المواجهة مع منتقدي القرار.
وفي السياسة كما في التواصل، لا تكفي شرعية القرار إذا غابت القدرة على شرحه. ولا يكفي أن تقول الوزارة إن القانون يسمح لها باتخاذ إجراء ما؛ فالسؤال الأهم هو: هل القرار عادل؟ وهل هو مفهوم؟ وهل هو مقبول اجتماعياً؟
لذلك، فإن الرد الحقيقي الذي كان ينتظره الرأي العام لم يكن بياناً يتحدث عن “حملة منظمة”، وإنما تواصل الوزير نفسه أمام المغاربة، بالأرقام والوثائق والحجج، وتحمل المسؤولية الكاملة عن اختيارات قطاعه.
فحين يكون الجدل حول رسوم التعليم، لا ينبغي أن يكون أول سؤال تطرحه الوزارة: “من يقف وراء الحملة؟”، بل ينبغي أن يكون: “لماذا لم ننجح في إقناع الناس بقرارنا؟”، وهذا هو الفرق بين وزارة تدافع عن قرارها، ووزارة تنجح في التواصل حوله.