هبة زووم – الرباط
صعّد الكاتب والباحث المصطفى مورادي لهجته تجاه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، على خلفية الجدل المتواصل حول الرسوم المرتبطة بالتكوين الجامعي في إطار ما يعرف بـ”التوقيت الميسر”، موجهاً انتقادات لا تقف عند حدود مشروعية هذه الرسوم، وإنما تمتد إلى طريقة تدبير التكوينات المستمرة داخل الجامعات العمومية وآليات مراقبة مواردها المالية.
ويأتي موقف مورادي في سياق نقاش أثاره قرار اعتماد رسوم لفائدة الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية ضمن نظام “التوقيت الميسر”، في وقت تؤكد فيه الوزارة أن هذه الرسوم لا تشمل الطلبة النظاميين، وأنها ترتبط حصراً بهذا النوع من التكوينات، كما تستند إلى إطار قانوني وتنظيمي خاص.
غير أن منتقدي القرار يرون أن المسألة تتجاوز الجانب التقني والقانوني، لتطرح سؤالاً أوسع حول حدود مجانية التعليم العالي، وحول ما إذا كان إقرار رسوم جديدة يمثل مدخلاً تدريجياً نحو توسيع دائرة التكوينات المؤدى عنها داخل الجامعة العمومية.
مورادي يوسّع دائرة الانتقاد
مورادي لم يحصر انتقاداته في الوزارة، بل وسّع دائرة المسؤولية لتشمل فاعلين جامعيين ونقابيين، منتقداً ما اعتبره صمتاً أو غياباً لمواقف واضحة تجاه الرسوم الجديدة.
وتساءل الكاتب والباحث عن أسباب عدم بروز مواقف نقابية قوية بشأن هذا الملف، في الوقت الذي تنشغل فيه بعض الهيئات بملفات مطلبية أخرى، معتبراً أن مستقبل مجانية التعليم وتدبير التكوينات المستمرة يستحقان نقاشاً مؤسساتياً واسعاً.
ويأتي ذلك في سياق سبق أن طُرحت فيه توصيات بتوحيد رسوم التسجيل المرتبطة بالتوقيت الميسر على المستوى الوطني، مع إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الحد الأدنى للأجور.
من الرسوم إلى سؤال “ريع التكوينات”
الانتقاد الذي يوجهه مورادي يتجاوز مسألة فرض الرسوم، إذ يربطها بما يعتبره اختلالات في تدبير التكوينات المستمرة داخل عدد من الجامعات.
ويتحدث مورادي، في مواقفه وتصريحاته، عن وجود ما يسميه “ريعاً” في بعض التكوينات والأنشطة الجامعية، وعن استفادة بعض الفاعلين من موارد مالية مرتبطة بها، كما يسوق معطيات وأمثلة يعتبرها مؤشرات تستوجب، من وجهة نظره، فتح تحقيق وتدقيق في طرق تحصيل هذه الأموال وأوجه صرفها.
غير أن هذه الاتهامات تظل، في حدود المعطيات المتاحة، مواقف وادعاءات صادرة عن صاحبها، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة ما لم تدعمها وثائق رسمية أو نتائج تحقيقات مستقلة أو أحكام قضائية.
وهنا تكمن أهمية الدعوة إلى التدقيق، ليس فقط لرد الاتهامات أو تأكيدها، وإنما لوضع حد لأي التباس يمكن أن يحيط بتدبير موارد التكوين المستمر داخل الجامعة العمومية.
ميداوي أمام سؤال الحصيلة السابقة
الجانب الأكثر حساسية في خطاب مورادي يتمثل في استحضاره تجربة الوزير عز الدين ميداوي السابقة على رأس جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، مطالباً بفتح نقاش حول كيفية تدبير التكوينات المستمرة خلال الفترات السابقة.
ويذهب مورادي إلى ضرورة توسيع نطاق التدقيق ليشمل جامعات أخرى، مع الوقوف على طبيعة المستفيدين من التعويضات والمهام المرتبطة بالتكوينات، وكيفية تحديدها وصرفها، ومدى خضوعها لآليات المراقبة الداخلية والخارجية.
وبذلك ينتقل النقاش من مجرد سؤال حول مشروعية الرسوم إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بالحكامة المالية والإدارية للتكوين المستمر، ومن يستفيد من موارده، وكيف يتم تدبيرها، وما هي الضمانات المتاحة أمام الشركاء الجامعيين والموظفين والطلبة لضمان الشفافية.
هل يبدأ الإصلاح من الرسوم أم من الحكامة؟
جوهر المفارقة التي يطرحها مورادي يتمثل في سؤال بسيط لكنه ثقيل: إذا كانت الوزارة تتجه إلى تنظيم وتقنين التكوينات المؤدى عنها، فلماذا لا يكون ذلك مصحوباً، أو مسبوقاً، بتدقيق شامل في طرق تدبير الموارد التي ترتبط بهذه التكوينات؟
فالوزارة تعتبر أن رسوم “التوقيت الميسر” ترتبط بكلفة إضافية تفرضها طبيعة التكوين، وما تتطلبه من تعبئة للموارد البشرية والبنيات والتجهيزات خارج أوقات العمل العادية.
لكن في المقابل، يطرح المنتقدون سؤالاً آخر: هل ينبغي أن تكون الأولوية لفرض رسوم جديدة، أم لبناء منظومة شفافة للحكامة والمراقبة تضمن أن كل درهم يتم تحصيله من هذه التكوينات يخضع لقواعد واضحة وقابلة للتتبع؟
وهو سؤال لا يتعلق فقط بالوزارة الحالية، بل يمتد إلى طريقة تدبير هذا النوع من التكوينات داخل الجامعة المغربية بشكل عام.
إعفاء موظفي الوزارة يزيد الجدل
ويزداد النقاش حساسية مع إثارة موضوع الإعفاءات من الرسوم، خصوصاً بالنسبة لموظفي وزارة التعليم العالي، وهو ما فتح بدوره باباً للتساؤل حول معايير الاستفادة من الإعفاءات ومدى انسجامها مع مبدأ المساواة بين الفئات المعنية.
فالوزارة تؤكد أن الرسوم لا تمس مجانية التعليم الجامعي بالنسبة إلى الطلبة النظاميين، وأنها تخص فئة الموظفين والأجراء الذين يختارون متابعة التكوين خارج أوقات العمل.
غير أن الأصوات المنتقدة ترى أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بالتسمية أو بالنظام المعتمد، وإنما بمستقبل الولوج إلى التعليم العالي بالنسبة إلى فئات عاملة، وبكيفية ضمان ألا تتحول التكوينات المستمرة تدريجياً إلى مجال مالي منفصل عن فلسفة الجامعة العمومية.
النقاش الحقيقي.. من يراقب المال الجامعي؟
بعيداً عن التجاذب بين الوزارة وخصومها، يبدو أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف تُدبّر الموارد المالية الناتجة عن التكوينات المستمرة؟ ومن يراقبها؟ ومن يحدد أوجه صرفها؟ وما هي الضمانات التي تحول دون تضارب المصالح أو تضخم الامتيازات؟
وإذا كانت هناك اتهامات بوجود ممارسات غير سليمة، فإن الطريق الطبيعي لحسمها لا يمر عبر السجال الإعلامي، وإنما عبر الوثائق والتدقيق والمراقبة المؤسساتية ونتائج التحقيقات.
أما إذا كانت الموارد تدبر وفق قواعد قانونية واضحة، فإن نشر المعطيات المالية وطرق صرفها من شأنه أن يقطع الطريق على التأويلات ويعزز الثقة في المؤسسات الجامعية.
وفي المقابل، فإن تحميل الموظفين والأجراء تكاليف إضافية دون تقديم صورة واضحة عن الحكامة المالية لهذه التكوينات قد يزيد من حدة الجدل بدل أن يضع حداً له.
الجامعة أمام امتحان الشفافية
بهذا المعنى، فإن النقاش الذي أثاره مورادي يمكن أن يتحول من مجرد سجال حول رسوم «التوقيت الميسر» إلى فرصة لفتح ورش أوسع حول شفافية التكوين المستمر داخل الجامعات المغربية.
فالجامعة العمومية لا تحتاج فقط إلى موارد مالية، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى قواعد واضحة في تحصيل هذه الموارد وصرفها، وإلى آليات رقابة فعالة، وإلى نشر المعطيات التي تسمح للمجتمع الجامعي والرأي العام بفهم كيفية تدبيرها.
وبينما تؤكد الوزارة أن رسوم “التوقيت الميسر” مؤطرة قانونياً ولا تمس مجانية التعليم بالنسبة للطلبة النظاميين، فإن منتقدي القرار يطالبون بإجابات أوسع حول فلسفة التكوين المستمر وحكامته المالية.
وهنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية: ليست فقط معركة حول ثمن التكوين، وإنما حول منطق تدبير الجامعة العمومية، وحدود تحويل بعض خدماتها إلى موارد مالية، وكيفية ضمان ألا يتحول المال الجامعي إلى مجال مغلق لا يعرف الرأي العام كيف يُحصّل ولا كيف يُصرف.
وإذا كانت الوزارة تريد إغلاق باب الشك، فإن أفضل وسيلة لذلك ليست الخطاب وحده، بل الشفافية الكاملة، ونشر المعطيات، وفتح الملفات أمام أجهزة الرقابة، وتحديد المسؤوليات بوضوح.
أما إذا كان الإصلاح يراد له أن يكون جدياً، فإن تنظيم الرسوم يجب أن يسير بالتوازي مع تنظيم الحكامة، لأن الجامعة التي تطلب من المواطن أن يدفع مقابل خدمة إضافية مطالبة، قبل ذلك، بأن تقدم له جواباً واضحاً عن سؤال أكبر: من يدير المال الجامعي، وكيف تتم مراقبته؟
تعليقات الزوار