هبة زووم – إلياس الراشدي
تشهد مدينة برشيد في الآونة الأخيرة حركية غير مسبوقة في دواليب الإدارة الترابية، منذ تعيين العامل جمال خلوق على رأس الإقليم، حيث بدأت ملامح تغيير حقيقي تطفو على السطح، يتجلى في أسلوب جديد في التدبير، يطبعه القرب، الصرامة، ورفض لغة الشعارات الفضفاضة، ما جعل الكثيرين ينظرون إلى الرجل كـ”استثناء إداري” يُراهن عليه لتحريك المياه الراكدة.
لكن، خلف هذا المشهد الإصلاحي، بدأ يتشكل تيار مقاومة غير معلن، تُوَجَّه فيه الأنظار نحو ما يُعرف محليًا بـ”العائلات الأربع” ذات النفوذ السياسي والاقتصادي التقليدي، والتي بدا أن نفوذها بدأ يتآكل أمام أسلوب العامل الجديد الذي يتحدى أعراف التواطؤ والتقاعس التي ترسخت لعقود.
فمنذ أيامه الأولى، رفض العامل جمال خلوق الاختباء خلف التقارير الجاهزة، وخرج إلى الميدان ميدانيًا، حيث شوهد مرارًا يقود بنفسه حملات تحرير الملك العمومي، إلى جانب الجرافة، ضد محتلي الأرصفة والمتنفذين، وهو مشهد اعتبره الكثيرون رسالة قوية مفادها أن زمن الحصانات انتهى، وأن الجميع سواسية أمام القانون.
هذا السلوك، ورغم بساطته الظاهرة، يحمل رمزية سياسية عميقة، خصوصًا أن ملف احتلال الملك العمومي كان يُستغل دومًا كأداة انتخابية من قبل فاعلين سياسيين واقتصاديين محسوبين على دوائر النفوذ المحلي.
غير بعيد عن هذا المشهد، بدأت تتشكل تحركات مضادة من طرف العائلات الأربع التي كانت لعقود تتحكم في مفاصل القرار المحلي، مستفيدة من هشاشة المجالس المنتخبة، وتراكم الامتيازات.
هذه التحركات، وإن كانت إلى حدود الساعة لا تزال في الظل، إلا أن محاولات التشويش على قرارات العامل، وخلق التوترات في بعض الملفات، باتت مؤشرات واضحة على أن لوبيات النفوذ تشعر بالتهديد المباشر.
الخشية اليوم، بحسب متابعين للشأن المحلي، هي من تحول هذه المواجهة الصامتة إلى معركة معلنة قد تفرمل دينامية الإصلاح، خاصة في ظل هشاشة المشهد السياسي المحلي، وعجز المجالس المنتخبة عن لعب دور الشريك الحقيقي في التنمية.
وفي ظل الشلل الذي تعيشه مؤسسات التمثيلية المحلية، يراهن جزء كبير من الساكنة على مؤسسة العامل كضامن لاستمرارية الخدمة العمومية، خصوصًا في الملفات ذات البعد الاستعجالي مثل: تحرير الفضاءات العامة، تحسين المرافق، وفرض احترام القانون في قطاعات حساسة.
ورغم أن التحديات كبيرة، فإن الآمال معقودة على أن تُشكل هذه المرحلة نقطة تحول مفصلية في علاقة السلطة بالإدارة المحلية، وأن يكون العامل جمال خلوق النموذج الذي يعيد ثقة المواطنين في إمكانية الإصلاح، رغم كل العراقيل.
ما يحدث اليوم في برشيد ليس مجرد “حراك إداري”، بل هو صراع بين منطق الدولة ومنطق الزبونية، بين من يريد وضع المدينة على سكة التغيير، ومن يفضل أن تبقى رهينة لتوازنات تقليدية تضمن استمرار الامتيازات.
وفي انتظار أن تُفرز الانتخابات القادمة نخبة جديدة قادرة على مواكبة دينامية الإصلاح، يبقى الرهان الأكبر اليوم معقودًا على صلابة مؤسسة العامل، وعلى دعم المجتمع المدني وذوي النيات الحسنة، في سبيل إنجاح هذا التحول التاريخي.
تعليقات الزوار