هبة زووم – حسن لعشير
عادت شواطئ بليونش لتتصدر مشهد الهجرة غير النظامية من جديد، بعدما شهدت ليلة الثلاثاء/الأربعاء، 5 و6 غشت 2025، موجة تسلل جماعي نفذها عشرات الشباب المغاربة في محاولة محفوفة بالمخاطر للوصول إلى مدينة سبتة المحتلة سباحةً، في تكرار لسيناريوهات سابقة ظن كثيرون أنها طويت مع تحسن التنسيق الأمني بين الرباط ومدريد.
وحسب مصادر ميدانية متطابقة من داخل سبتة، فإن عدد المشاركين في هذه المحاولات تجاوز 150 شخصًا خلال 48 ساعة فقط، توزعوا على دفعات صغيرة انطلقت ليلًا من السواحل المحاذية لقرية بليونش، في اتجاه الشريط الساحلي للثغر المحتل.
محاولات تُظهر بوضوح عودة الضغط الموسمي على نقاط التماس، وتكشف مرة أخرى عن هشاشة الوضع الاجتماعي في مناطق شمال المغرب.
وتأتي هذه التطورات بعد أقل من 24 ساعة على موجة تسلل مماثلة، ما يؤشر على نمط جديد يتسم بالانتظام والتخطيط الليلي، تزامنًا مع فترة الصيف التي عادة ما تشهد ارتفاعًا في وتيرة محاولات الهجرة السرية، مستفيدة من الظروف الجوية الملائمة، وتراجع المراقبة في بعض النقاط.
وتعيد هذه المشاهد إلى الأذهان الذروة التي بلغتها الأزمة بين المغرب وإسبانيا في مايو 2021، حين تمكن آلاف الشبان المغاربة من اقتحام الحدود البحرية والبرية نحو سبتة، في واحدة من أبرز لحظات التوتر الدبلوماسي بين البلدين. ورغم مرور السنوات، فإن الظاهرة تثبت أنها لم تنته، بل أخذت أشكالًا أكثر هدوءًا وتنظيمًا، لكن بخطورة أكبر.
وفي مواجهة هذا التصعيد، تواصل السلطات المغربية تشديد إجراءاتها الأمنية عبر الساحل، من خلال تكثيف الدوريات التي تنفذها وحدات البحرية الملكية على امتداد الخط البحري الرابط بين بليونش وواد لاو، في إطار مقاربة استباقية تروم احتواء الظاهرة قبل وقوعها.
وتشمل هذه التدخلات مراقبة مستمرة، واعتراض القوارب، والتنسيق مع الدرك الملكي للحد من نشاط شبكات التهريب والهجرة السرية.
غير أن هذه الجهود، ورغم أهميتها، تصطدم بإصرار شبابي متنامٍ على الهروب من واقع اقتصادي واجتماعي خانق، شباب في مقتبل العمر يختارون البحر طريقًا محفوفًا بالموت، في ظل انسداد الأفق، وغياب فرص الشغل، وانهيار الثقة في المستقبل. في أعينهم، سبتة لم تعد مجرد مدينة محتلة، بل “فرصة أخيرة” في زمن الأزمات.
من جهة أخرى، تضع هذه التحركات المتكررة العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار مستمر. فرغم التحسن النسبي في التعاون الأمني والجمركي والاقتصادي بين الرباط ومدريد، إلا أن استمرار موجات الهجرة غير النظامية، خصوصًا تلك التي تنطلق من نقط بحرية دقيقة وحساسة كـبليونش، يعيد طرح أسئلة تتعلق بالعدالة المجالية، ونجاعة السياسات العمومية، ومآلات التنمية المحلية في المناطق الحدودية.
وفي هذا الإطار، يرى متتبعون أن معالجة الظاهرة لن تتم فقط عبر المقاربة الأمنية، بل تتطلب برامج تنموية جريئة وموجهة لاحتواء اليأس المتفاقم وسط الشباب، وضمان توزيع عادل للفرص، وإعادة الاعتبار للمناطق الشمالية التي ما تزال تعاني التهميش رغم موقعها الاستراتيجي.
في النهاية، ما جرى على سواحل بليونش خلال اليومين الماضيين ليس مجرد تسلل جماعي جديد، بل هو مؤشر على أزمة صامتة، تقفز كل مرة إلى الواجهة عبر أجساد شباب اختاروا السباحة في المجهول على البقاء في وطن أغلق في وجوههم كل الأبواب.
من بليونش إلى سبتة، ما بين الموج والحدود والأسلاك الشائكة، تمتد قصة لا تنتهي… عنوانها الأكبر: “الهروب من الانتظار”.
تعليقات الزوار