هبة زووم – طه المنفلوطي
لم تعد فوضى البناء العشوائي في آسفي مجرّد خروقات عمرانية معزولة، بل تحوّلت إلى معركة مفتوحة بين إرادة السلطات في فرض النظام، ولوبيات متجذرة ترى في الفوضى طريقاً سريعاً نحو الربح غير المشروع.
هذه اللوبيات، التي تتغذى على ضعف المراقبة وفترات التساهل، تسعى اليوم بكل جرأة إلى فرض منطقها على الإدارة الترابية، بل إلى تقزيم حضور الدولة وتحويل القانون إلى مجرّد نص بلا قوة.
التقارير الميدانية تكشف حجم الكارثة: بنايات نبتت على أراضٍ غير مرخصة، تجاوزات صريحة لشروط التعمير، وعمليات تحايل معقدة لإخفاء المخالفات خلف واجهات صورية.
الأخطر من ذلك هو ما يروج عن محاولات “تليين” بعض التقارير أو تعطيلها، وهي سلوكيات تمثل تهديداً مباشراً لهيبة المؤسسات، وتبعث برسالة سلبية مفادها أن التلاعب قد يمرّ بلا عقاب.
صحيح أن السلطات الإقليمية، بقيادة العامل محمد الفطاح، أطلقت منذ وطأت قدميه مكتبه بالعمالة خططاً واضحة لمحاصرة الظاهرة، مع حملات دورية وحزم في تنزيل القانون.
كما برزت أسماء إدارية، مثل الباشا حليم، يشغل حاليا مهمة كاتب عام بالنيابة، أبانت عن صرامة في تنزيل التعليمات وربحت احترام الفعاليات المدنية. لكن هذه الجهود، على أهميتها، تصطدم بجدار صلب من المصالح المترابطة التي توظف نفوذها المالي والاجتماعي لخلق مناطق رمادية خارج سلطة القانون.
ورغم الجهود المبذولة لمحاصرة هذه الظاهرة، يكشف الواقع الميداني عن ثغرات في آليات المراقبة، وشبهات تحوم حول بعض المتدخلين المحليين. آخر حلقات هذا الملف ارتبطت باتهامات لعون سلطة بالملحقة الإدارية الرابعة بالتساهل – أو على الأقل غياب الحزم – في التعاطي مع خروقات همّت بشكل مباشر النظام العمراني لبعض الأحياء كالروامشة وسيدي عبد الرحمان التي تعيش على وقع تجاوزات عمرانية وصفت بالخطيرة..
الخطر الحقيقي يكمن في أن البناء العشوائي لم يعد فقط اعتداءً على المشهد العمراني، بل أصبح تهديداً للتنمية الحضرية برمتها، ولثقة المواطنين في المؤسسات. عندما يرى المواطن أن البعض ينجح في تشييد طوابق غير قانونية أو احتلال الملك العمومي دون رادع، تتآكل القيم المدنية ويُختزل القانون في إجراء شكلي يُطبَّق على الضعفاء فقط.
المطلوب اليوم ليس مجرد استمرار الحملات أو تحرير المحاضر، بل الانتقال إلى مقاربة شاملة: تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على جميع المستويات، تفكيك شبكات المصالح التي تحمي الفوضى، وتحصين أجهزة المراقبة من أي اختراق محتمل. فالقضية لم تعد تقنية تخص مكاتب التعمير فقط، بل شأن يهم مصداقية الدولة وحماية الحق الجماعي في مدينة منظمة وآمنة.
آسفي أمام مفترق طرق: إما أن تنجح في كسر شوكة اللوبيات وفرض هيبة القانون، أو أن تسمح لهذا السرطان العمراني بالتمدد حتى يصبح إصلاحه شبه مستحيل. المعركة اليوم ليست ضد أبنية إسمنتية غير قانونية فقط، بل ضد منطق يهدد أسس العدالة المجالية والتنمية المستدامة.
تعليقات الزوار